العدد السابع عشر
لطالما كنتُ أستمع إلى رغبة المتعثرين في الاستعداد، إلى جانب استجابة دعواتهم، ولطالما داهمني شعور الرجاء بأن أرى كل تلك الدعوات التي كانت تُلازمني أينما حللتُ وارتحلت، ولطالما اتكأتُ على كلماتٍ تمسح على القلب بالبشرى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
فوالله إنني ممتلئة باليقين بأنك ستروي ظمئي، وأن تَقَرَّ عيناي حتى الحمد، وأن الأيام البراقة، المبهجة، المنيرة ستتألق حولي لا محالة.
سيتلاشى الوهن عن قلبي، ويندثر كل ألمٍ ألمّ بي؛ فالذي أنجى ذا النون من جوف الحوت سينجيني، ويجبرني بأجر صبري وإيماني به:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
لقد ظمئ قلبي للانشراح والفرح، ولن يرويه إلا شعور:
{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}
يا رب، أن يأتي بعد مُرِّ القلق أيامٌ بطعم الفُرات، وتولَّ كل تلك القلوب بحسن تدبيرك.
يا رب، اجعلنا ننام في ليلةٍ كانت كل الأماني مؤكدةً نُصْبَ أعيننا.
آمين.
الكاتبة: صِبا الخليلي
بعد عشرين عامًا،
كنت أفتّش في رفوف مكتبتي،
أبحث عن كتابٍ تركته بين كتبٍ مهملة ومنسيّة،
تشبهني في صمتها… وفي اعتزالها.
وأنا أقلب الصفحات،
انفلتت صورة،
لم تسقط على الأرض،
بل سقطت مباشرةً في قلبي،
ارتجفت يداي،
وتسارعت نبضات قلبي،
وبدأت أتنفّس من ثقب إبرة،
كأن ثقل الأيام كلّه
اختصر نفسه في تلك الصورة،
وما إن وقعت عيناي عليها،
حتى عاد الماضي دون استئذان،
وبدأ الحنين يصفعني بلا رحمة.
انهالت دموعي
لتغرق وجهًا ما زال حيًا في ذاكرتي،
ميتًا في واقعي.
تذكّرت يوم خرج نعشه،
كنت واقفةً بين الجموع،
عيناي جامدتان،
وقلبي وحده كان يصرخ؛
فالصدمة
كانت أكبر من البكاء،
منذ ذلك اليوم،
رحلت روحي معه بلا عودة،
ولم أعد إنسانة،
بل ظلًّا يمشي…
يتنفس…
لكنه لا ينبض بالحياة.
عانقتُ الصورة،
كأنني أحتضن غيابه عني،
حتى خذلتني قدماي،
ووجدت نفسي على سريرٍ أبيض،
طبيب يراقب أنفاسي،
ويفتّش عن وريد
ليُدخل فيه حياةً صناعية،
أغمضتُ عيني بهدوء،
لم أعرف ماذا حدث بعدها،
غير أن صورته
كانت جنازتي الثانية،
بعد سنواتٍ طويلة
من التناسي المتعب.
الكاتبة: رجاء عرنوس
"معيّةُ الله"
عظمةُ الله لا تُدركها الأبصار، لكنّها تسكن القلوب بهدوءٍ عجيب،
نلمس وجوده في التّفاصيل الصّغيرة قبل المعجزات الكبيرة، في نبض الحياة، وفي طُمأنينةٍ تهبط علينا دون سببٍ واضح.
هو معنا حين نضعف، فيقوّينا، وحين نضلُّ الطّريق، فيدلّنا عليه بلطف
نراه في دعاءٍ صادق، وفي دمعةٍ خفيّة، وفي أملٍ يولد من رحم التّعب،
معيّةُ الله لا تعني غياب الألم، بل تعني ألّا نكون وحدنا أبدًا، وأنّ كلّ خطوةٍ نمشيها، مهما ثقُلت، مُحاطة برحمةٍ لا تزول.
الكاتبة: أحلام مصطفى الزّواهره
"صمودٌ ينزف"
أتيتُ لأكتب حزني، فوجدتُ الورق ذابلاً، فقلتُ في نفسي: "لا يصح أن أشتكي همي لهذا الورق!" فاجأني الورق وردّ عليّ قائلاً: "كيف أنت صامد ومن داخلك ذابل؟"
صمتُّ وأخذتُ القلم بيدي لأكتب، وعندما بدأتُ الكتابة، لم تتوقف عيناي عن البكاء، وكأنها سحابةٌ لم تمطر منذ سنين عدّة، فقال لي القلم: "ماذا حلّ بك؟ لماذا تبكي وأصبحت كالطفل الضعيف؟ انظر إليّ، إنني صامدٌ رغم أنني أنزفُ لأجلك، فلا تكن ضعيفاً... إن لم تكن بجانب نفسك، سيحلّ بك ما حلّ بي وبالورق."
الكاتبة: ملاك ذياب المنسي
أشعر بضيقٍ في التنفس،
كأن الهواء من حولي لا يكفيني.
وألمٌ ثقيل في رأسي يثقل أفكاري،
حتى صارت أتفه الأمور قادرةً على إرهاقي.
أما عيناي فأنهكهما التعب،
حتى بتُّ أرى كل شيء رماديًا، باهتًا، بلا حياة.
أحاول أن أبدو بخير…
أرتّب ملامحي، وأخفي ارتباكي،
وأرسم الابتسامة على وجهي كأن الحزن لايعرف ملامحي،
لكن داخلي يتداعى بصمت،
والأكثر ألمًا ليس ما أشعر به،
بل ذلك الفراغ من حولي…
أن أُحاط بالناس ولا يلاحظ أحد حالتي،
وأن يُنظر إلى وجعي كأنه مبالغة،
أو وهمٌ اخترعته،
في حين أنه يصرخ داخلي دون صوت،
أدركت أن أقسى أنواع الألم
ليس ما يثقل الجسد أو يرهق الروح،
بل أن تتألم… ولا يجد ألمك قلبًا يلاحظه.
الكاتبة: آلاء ملندي
عندما بدأتُ أسمع نبض قلبي، غادرتني الأشياءُ جميعها
دون ميعادٍ، ولا سابقَ إنذار
كأنني محطة مترو؛
يمرُّ بها الناسُ عابرين، يلبثون قليلًا، ثم يمضون.
كلُّ الذين غابوا كانوا أكثرهم وعدًا بالبقاء،
لكنهم استسلموا للغياب،
ولوّحوا بأسى باردٍ كمن يصفّق للرحيل على مضض.
والآن أقفُ وحيدًا،
على عتبات الوقت
تُطاردني التفاصيل الصغيرة:
صوتُ الخبزِ اليابس،
صورة أمٍّ تحصي وجبات أولادها على أصابع الخوف،
وشابٍ يُطفي أحلامه كل مساء
كأنها شموعٌ لا يستحق ضوءها.
الليل هنا لا يُشبه الليالي،
كأن الوقت عالقٌ بين أنين الكهرباء المقطوعة،
وصفحات الأخبار السوداء.
الكاتب: محمد الصبري
"إلى هاشِميَتي العَزيزَة"
تغمرني مشاعر متداخلة، يصعب عليّ ترتيبها، ملامح التخرّج لم تعد فكرة بعيدة، بل واقعًا يقترب، وأنا أحاول أن أبدو قوية بينما دموعي تقف عند حافة الانهمار، مترددة مثلي تمامًا.
قريبًا سأقول وداعًا لجامعتي، للجامعة التي لم تكن مجرد مكان للدراسة، بل كانت الأقرب إلى قلبي، والأكثر حضورًا في تفاصيل أيامي، سأودّع كليّتي، وأساتذتي الذين رافقوني منذ بداية رحلتي الجامعية، منذ خطواتي الأولى في البكالوريوس، وحتى وقوفي اليوم على أعتاب التخرّج من الماجستير، سنوات مرّت، لكنها لم تمرّ عبثًا؛ صنعتني، وغيّرتني، وعلّمتني أكثر مما كنت أظن أنني أحتاج.
وسأودّع صديقاتي، أولئك اللواتي شاركنني الطريق، وكان وجودهن امتدادًا لروحي، وسندًا في لحظات التعب، وفرحًا في أيام الإنجاز...
لست مستعدة لهذا الفراق، ولا أظن أن الاستعداد له ممكن أصلًا.
ما زالت ذاكرتي تحتفظ بوضوح بآخر يوم في البكالوريوس، يوم ودّعت المكان وقلبي مثقل بالدموع، لكن الأمل كان حاضرًا آنذاك، أمل العودة من جديد كَطالبة ماجستير، أمل الاستمرار معها.. مع جامعتي العَزيزة.
أما اليوم، فقد بلغنا نهاية المرحلة. هو إنجاز يُشبه الحلم حين يتحقق، لكنه يحمل معه حُزنَ الختام، وفخر يختلط بشعور الفقد...
وفي أعماقي، أعترف: رغم كل ما تحقق، ما زلت غير جاهزة للحظة التي أودّع فيها جامعتي… ربما لأنها لم تكن يومًا مجرد جامعة، بل فصلًا من حياتي لَن يتكرر.
الكاتبة: أماني الدعجة
"سؤال"
طرحت تلك الفتاة سؤالًا على المشاركين في إحدى المسابقات الأدبيّة:
هل بمقدور أحدكم وصف الحبّ لشخصٍ لم يدقّ قلبه بتناول جرعاته؟
أجبتها بصمتٍ وأنا أستحضر شريط ذكرياتي معك: هو ترياقٌ يشحن قلوبنا؛ لكي تخفق، يجعلنا نبدو حمقى نقهقه دون سببٍ وجيهٍ، كما لو أنّنا استنشقنا غاز الضّحك، ورمٌ حيث لا يمكننا التّخفيف من أعراض جفاء من نحب، إلا بأقراص التّعايش.
الكاتبة: ميساء بسام
"حياتي"
حياتي ليست قصة… إنها تجربة معلقة بين الصبر والتمرد.
كنتُ طفلةً، ومن ثم صرتُ مراهقةً، ومن ثم… صرتُ نسخة لا أحد يقدرها.
كل خطوة فيها وجع، وكل ضحكة فيها سرّ.
تعلمت كيف أبتسم بينما ينهار داخلي،
وكيف أصرخ في صمت بينما يضحك العالم عليّ.
أخطأت كثيرًا… وربما صرتُ أقسى مما أريد.
أحببت أشياء لا تُحب، وثقت بمن لا يستحق،
وواجهت ما لا يواجهه إلا الأقوياء أو الحمقى.
حياتي ليست مأساة، وليست انتصار…
إنها مساحة بين الضياع والوعي،
بين الشوق والكره،
بين الطفلة التي أريد أن أعود إليها
والمرأة التي صنعتها التجربة… ولم تطلبها.
أنا هنا، الآن،
أقف على حدود نفسي،
أتعلم أن أكون أنا،
بكل قسوتي، ضعفي، وهوسي.
الكاتبة:تقى زهير الحراسيس
في عالمٍ يزدحم بالضجيج، اخترنا أن نصنع لحظة هادئة، لحظة تشبهنا، وتشبه ما نؤمن به.
جئنا اليوم محمّلين بالرغبة في العطاء، وبالإيمان أن كل خطوة صغيرة يمكن أن تفتح باب أملٍ كبير.
هذه الفعالية ليست مجرد تجمع، بل رسالة تقول إننا ما زلنا نختار الخير، ونمنح دون حساب، ونحلم بعالمٍ أكثر دفئًا وإنسانية، ما يحدث هنا قد يبدو بسيطًا، لكنه حقيقي، وكل ما كان حقيقيًا… يبقى.
الكاتبة: ليان الحجاج
"أفكار"
طريقٌ طويل،
وخُطىً مثقلة…
ورغم ذلك
ما زلتُ أُسرِع الخطوات
كي أُثبت أنني قوية.
ههه… قوية!
هل أكذب على نفسي؟
فأنا متألمة من الداخل،
يتغلغل الحزن واليأس في أعماقي،
أحتجز الدمعة بين ضلوعي،
تريد أن تخرج،
أن تبكي بلا قيود،
وأنا…
المقيّدة بالصمت،
ملامحي وحدها تتكلم.
لكن صوتًا داخليًا يهمس:
الله قريب.
هي فضفضةٌ عابرة
بين أفكاري ونفسي،
تُزيح عن كاهلي
غبار الخذلان
الذي جنيته بوفرة.
أُكمل سيري في الطريق،
وأُحدّث نفسي:
لماذا؟ ولماذا؟
تمرّ المركبات من جانبي،
منها المسرعة،
ومنها المتعبة،
تارةً رائحة عطرٍ وسيجار،
وتارةً رائحة بنزين.
وأقول:
لو كان لي حظٌّ وفير
لما مشيتُ
وأنا أحمل حاجاتي،
وقد رُسم من ثِقلها
على كفّي
خطوط الشقاء.
أُكمل المسير،
والأفكار تتصارع بداخلي،
حتى أصل إلى آخر الطريق
وأقول:
الحمدُ لله على كلِّ شيء.
الكاتبة: سميرة أبو الحصين
"ليسوا خرائطي الضائعة"
هل أنت عالقٌ دائمًا في بحر التساؤلات؟
نعم، لا، أو ربما…
آه، حالتك غير مبشّرة، لا قرار ثابتًا في عقلك.
هل من الممكن لأنني أعاود اكتشاف نفسي بشكلٍ جديدٍ مختلف،
وأنا الآن في مرحلة حرجة لا تسمح بأي تشويش؟
وما دخلي أنا؟
توجّه اتهاماتٍ لي وأنا لم أقترب منك حتى!
هل هكذا يكون الحكم على الآخرين دائمًا بهجومية؟
يسود صمتٌ قصير، كأن الكلمات نفسها خافت من حدّتها.
لستُ هجوميًا… أنا فقط أرهقني الشك،
حين يقف الإنسان طويلًا عند مفترق الطرق،
يبدأ برؤية الجميع كإشارة خطر.
والآخرون ليسوا خرائطك الضائعة،
لكلٍّ منا معركته الخاصة،
فلا تجعل ارتباكك سيفًا على رقابنا.
ربما كنتُ محقًا… وربما كنتِ أنتِ أيضًا،
لكن إعادة اكتشاف النفس ليست رحلة هادئة،
إنها هدمٌ وبناءٌ في الوقت ذاته.
إذًا تعلّم أن تبني دون أن تهدم من حولك،
فمن يبحث عن نفسه لا يحتاج أن يُضيّع الآخرين معه.
ربما… عليّ أولًا أن أُصلح الفوضى في داخلي،
قبل أن أتهم العالم كلّه بالتشويش.
الكاتبة: روعه أبوظلام
"التبرير الوجودي"
فما غاية وجودك التي لها أنت اليوم باقٍ، لست بمندثر؟"
وقفتُ أمام السؤال عاريةً من الإجابات، لا أملك سوى هذا القلب الذي لم يستسلم بعد،
لعل وجودي مبررٌ بهدوء أحدهم حين مررتُ، أو لأن الله يراني أحاول، أعيش لأنني كلما ضاقت عليّ الأرض وسعتني سجدة آناء الليل.
أنا موجودة لأنني أبكي وأكمل، أنهزم وأعاود المحاولة، أفشل ولا أكره الحياة؛
لست أدري ما غايتي الكاملة، ولكن…
يكفي أنني ما زلت أحاول، أو ربما أنني لم أنطفئ بعد.
الكاتبة: تسنيم الحساسين
"بين الضباب والنور"
أقف وحيدًا في قلب هذه الغابة، يلفّني الضباب من كل الجهات،
لا أعرف إن كنتُ وصلتُ إلى هنا هربًا أم بحثًا عن شيء فقدته في داخلي.
كل خطوة أخطوها تبدو مترددة، وكأن الأرض نفسها تسألني: ماذا تريد؟
وفي هذا الصمت الثقيل، أشعر أن الغابة ليست موحشة بقدر ما هي مرآة،
تعكس خوفي، وتفضح أسئلتي التي طالما تجاهلتها.
أشعر وكأنني سأطير من الفرحة،
لأنني خرجت من طريقٍ كنت أقول لنفسي إنني لا أستطيع الخروج منه.
كنت أتساءل دائمًا: كيف سأعبر؟ وكيف سأمضي في هذا الطريق؟
لكنني أدركت أن كل شيء قد يتغيّر فجأة نحو الأفضل،
وأن الأمور، مهما بدت قاسية، قد تُهيّأ يومًا من أجلي.
قال لي الكتاب:
"مهما كان الطريق طويلًا ومُتعبًا، فله نهاية،
ونهايته ستكون سعيدة لمن صبر وأكمل المسير."
لم أشعر بالخوف بعد أن استمعت إلى هذه الكلمات،
بل شعرتُ وكأنها تطبطب على قلبي،
وتهمس لي:
"ستنالين ما تستحقين، لا تحزني يا صغيرة، أنا معك."
سرتُ في طريقٍ لم يكن سهلًا يومًا،
أمضي فيه والخوف يرافقني، خوفٌ من أن يقودني إلى نهايةٍ لا نهاية لها.
لكنني، رغم كل شيء، واصلتُ السير،
لأن في داخلي إيمانًا لا يتزعزع بأن لهذا الطريق نهاية،
وأنها ستكون جميلة،
يكفيني إيماني بأن نهايته سعيدة.
وأخيرًا خرجتُ من الغابة بعد تعبٍ وشاقة،
أزال الضباب عن عيني،
وبدأ الأمل يضيء طريقي من جديد،
ليُرشدني نحو الاستمرار، نحو نورٍ لم أعرفه من قبل.
أنا أسعى وأستمر، سأحاول، وسأسير إلى الأمام نحو التقدم والنجاح،
رغم شعور الخوف الذي يسكن داخلي،
فليس المكان من يخيفني، بل قلبي أحيانًا،
لكنني أعلم أن الخوف ليس خصمًا، بل رفيق يُعلمني الصبر،
ويذكرني أن القوة الحقيقية تنبع من داخلي،
ومن إيماني بأنني قادر على الاستمرار مهما طال الطريق.
وفي وسط كل هذا، أدركت أن الرسالة لم تكن للآخرين، بل كانت موجهة لي وحدي،
كانت تهمس بصوت هادئ:
«أنتِ هنا لسبب، كل خطوة خطوتها كانت جزءًا من دربك،
لا تخافي من الخوف الذي يسكن قلبك، فهو مؤقت،
وأنتِ أقوى منه.
ستنالين ما تستحقين،
فلا تيأسي، ولا تتراجعي،
أنا معك في كل لحظة، أرحب بصبرك، وأبارك عزيمتك.»
ومع كلماتها شعرتُ بالأمان،
وكأنها تطبطب على روحي،
وتذكرني أن الضوء الذي أبحث عنه موجود بداخلي منذ البداية،
وأن كل شيء، مهما طال، سينتهي إلى الأفضل.
الكاتبة روان قداح
في تلك اللحظة، تجمدت الدموع في عينيّ، وشعرتُ بقلبي يئنُّ في صمتٍ عميق، صمتٍ لا تدركه اللغات ولا تفسره الكلمات. لم أبكِ أنا.. لكنَّ السماء، برحمةٍ من خالقها، قررت أن تبكي بدلاً مني.
انهمر المطرُ وكأنهُ نداءٌ سماوي يقول: "كفاكِ حملاً، فأنا أحملُ عنكِ."
ومع كل قطرةٍ تلامس وجهي، كنتُ أشعر ببرد السكينة يتسلل إلى صدري، وكأن الله احتضن روحي برحمته التي وسعت كل شيء، وطهر جراحي بماءٍ طهور.
لقد غسلت السماءُ غبار الحزن عن قلبي، وكأنَّ أمراً ربانياً صدر للأرض ومن عليها: "أمطري.. واغسلي قلبها، فهي لا تستحق هذا الشقاء، قلبها رحيمٌ، وأنا أرحمُ الراحمين."،
خرجتُ من تلك اللحظة لستُ كما دخلتُها؛ خرجتُ بقلبٍ مغسول باليقين، وروحٍ تدركُ أنَّ الله إذا أحبَّ عبداً، جعل الكون كله يواسيه.
الكاتبة: علياء صالح ابو الحصين
"حين تحدّثت سندريلا أخيرًا"
أنا: مرحبًا، يا من علّمتِنا أنّ الحذاء قد يُغير المصير، هل تسمحين لي بسؤال؟
سندريلا (تبتسم برّقة): اسألي، لكن لا تنتظري إجابة خرافية.
أنا: هل غيّرك القصر؟ هل صار الماضي مجرّد قصة تروينها بملل؟
سندريلا: بل غيّرتني الخيبة، لا القصر؛
تعلمت أنّني كنتُ أحمل النّور في قلبي حتى قبل أن يلمع الحذاء الكريستالي، وأنّ الطّيبة التي منحتها لوجوه لم تعرف الرّحمة، كانت أصدق من كل حفلات الرّقص.
أنا: لكنّ النّاس تقول أنّكِ انتظرتِ أميرًا لينقذك.
سندريلا (بابتسامة حزينة): كذبوا، لم أكن أنتظر أحدًا،
كنتُ أكنس الألم كلّ صباح، وأخبئ الدّموع في جيب المريول، وأحلم فقط بيوم لا أرتجف فيه من كلمة.
الأمير؟
جاء لاحقًا، لكنّني كنتُ قد أنقذتُ نفسي قبله ألف مرة، بالصّبر، بالكتمان، وبإيماني أنّ للظلام نهاية.
أنا: وماذا عن أولئك الذين خذلوكِ؟ زوجة أبيكِ، أخواتكِ، كلّ من رآكِ تنكسرين وسكت.
سندريلا (تنظر بعيدًا): كانوا كثرًا، لكنّهم لم يهزموني، بل جعلوني أُحبّ ذاتي أكثر؛ لأنّني كنت الوحيدة التي وقفتُ بجانبي حقًا، لا بأس أن يظنّوا أنّني كنتُ ضعيفة، فالجبال لا تصرخ وهي تحمل الثّقل.
أنا: هل غفرتِ لهم؟
سندريلا: الغفران ليس لأنّهم يستحقونه، بل لأنّني أستحق السّلام، لكنّني لم أعد أفتح أبوابي لمن يطرقها وهو يبتسم وفي يده سكين.
أنا: لو رجع الزّمن، هل كنتِ ستنتظرين الجنية؟ الحذاء؟ العربة؟ الأمير؟
سندريلا (تضحك لأول مرة): لا، كنت سأشتري لي حذاءً مريحًا، وأركض خارج ذاك البيت، أركض نحوّ الشّمس، دون أن ألتفت خلفي.
الكاتبة: ورود نبيل محمد
"خَلفَ سِتارِ الوَقت: مَذكّراتُ رُوحٍ لم تَنَم"
لا يكمنُ المَجدُ في العيشِ تحت الضوء، بل في القدرة على إشعال قنديلٍ في عتمة الذات.
لقد أدركتُ، بعد عناءٍ طويل مع السكون، أنَّ الوجود ليس مجرد "حالة" نُوجَد عليها، بل هو فعلُ نحتٍ مستمر؛ نحن النحاتون، ونحن الرخام في آنٍ واحد.
إنَّ الرقيَّ الذي أنشدهُ ليس ترفاً في القول، بل هو انعتاقٌ من ضجيج التفاهة، هو تلك اللحظة التي أدركتُ فيها أنَّ قوتي لا تكمن في قدرتي على الانتصار، بل في شجاعتي على أن أكون "أنا" بكلّ هشاشتي وصدقي، في عالمٍ يرتدي الأقنعة كطقسٍ يومي.
نحنُ لسنا صدى لأصوات الآخرين، بل نحن سيمفونيةٌ كونية لم تُفهم نوتاتها بعد.
علمتني الحياة أنَّ العمق لا يعني الغرق في الحزن، بل يعني الطفو فوق السطحية، وأنَّ أجمل ما في الروح هو تلك "الندوب" التي تروي حكايات الصمود، تماماً كما تروي الشقوق في جذع الشجرة العتيقة حكايات الفصول.
سأستمرُّ في عبور هذا الجسرِ بين ما كنتُ عليه وما سأكون، متسلحاً بصمتي البليغ، ففي هذا الصمت تولدُ الحقيقة، ومن رحمِ التأمل تُخلقُ الأبدية.
الكاتبة: سدين أحمد
"حين يصبحُ الملاذُ والهلاكُ واحدًا"
ها قد تذكَّرت... ذلك الشعورُ الذي اجتاحني يومًا، ذلك الإحساسُ الغريبُ بأنَّك ستكسِرُ قلبي، بأنَّني يجبُ أن أخافَ منك وأبقى بعيدة، لكنَّني لم أفعل.
على العكس، أخبرتُكَ بما أشعرُ، ظنًّا منِّي أنَّك ستحميني، أنَّك ستكونُ الأمان الذي أبحثُ عنه، وأنَّك لن تخذلَني، ولكنَّك... فعلتَ العكسَ تمامًا.
بدلًا من أن تُطمئنَ قلبي، كسرتَهُ،
بدلًا من أن تمحوَ مخاوفي، جعلتَها واقعًا.
كنتُ المخطئةَ لأنَّني لم أُصدِّقْ إحساسي، لأنَّني لم أهربْ حينها، لأنَّني اخترتُ الاقترابَ منك بدلًا من الفرار.
يا ليتَني فعلتُ، يا ليتَني حملتُ خوفي ومضيتُ بعيدًا، بدلًا من أن أُسلِّمَ روحي لك، ظنًّا منِّي أنَّك ستكونُ ملاذَها الآمن.
لكن ماذا فعلتَ أنت؟
دهستَها تحت قدميْكَ ومضيتَ، كأنَّ شيئًا لم يكن.
كنتُ مخطئةً لأنَّني جعلتُكَ ملجئي الوحيد، فهدمتَهُ فوق رأسي، لأنَّني جعلتُكَ أنفاسي، فقبضتَ على ياقتي وخنقتَني، حتى كدتُ أفقدُها.
أحببتُكَ بكلِّ ما في قلبي، لكنَّكَ لم تكتفِ بتحطيمِ ذلك الحُبِّ، بل سحقتَهُ ومضيتَ، تاركًا إيَّاي أتخبَّطُ بين الآلام، أتحمَّلُ وحدي الخُذلانَ، وأتجرَّعُ الألمَ غصبًا عنِّي.
والآن... لا "يا ليت" ستنفعُني، ولا حتَّى النَّدمُ سيُخفِّفُ ما أشعرُ به.
الكاتبة: مريم سيد أحمد
"سعادة طفولية "
هي تلك اللحظة التي تنسى فيها عمرك وتعيش لحظة تكون فيها طفلاً خرج إلى قلب حكاية من وحي الخيال،
تهرب من صخب الحياة وكثرة همومها لتعود إلى ذكريات هربت منك، إلى وادي النسيان العميق،
تعانق قدميك موجات البحر الدافئ أو تخمن أشكال الفيوم التي تمر من حولك وانت تحت ظلال شجرة وارفة الظلال.
أو تلك اللحظة التي تقف فيها على باب مدرستك التي شهدت طفولة عشت فيها كل المشاعر وتغمض عينيك وتتذكر صخب الأصوات التي كانت حية يوماً من الأيام وفرقتكم غياهب الأيام،
أحيي الطفل داخلك لتستمر ولا تدع جبال الهموم تحجب أشعة الحلم المنسي داخلك،
إشتق لذلك الطفل الذي سيعينك على الإستمرار لأن لأنفسنا علينا حق أن ترتاح قليلا لتستمر.
الكاتب: إسلام محمد الخروبي
"إلى من ظنوا أني قاسي القلب…"
لم أكن يومًا كما تخيلتم،
لم يكن وجعي حجرًا، ولا صمتي كبرياءً.
كنت طفلًا ضلّ طريقه في زحامٍ من الوجوه العابرة،
انتظر يدًا واحدة تمتد،
صوتًا واحدًا يقول: "أنا أفهمك."
مررت بتلك العتمة،
لا لأنني أردت البقاء فيها،
بل لأن البعض، ممن كنت أظنهم ملاذًا،
وقفوا على حافة وجعي
وشيّدوا بيننا جدارًا من الظنون.
أما أنتِ؛
يا من يسكنكِ ضوءٌ لم ينطفئ بعد،
يا من كنتِ الطفلة المدللة في بيتٍ شاخ قلبه.
أعلم أن العالم في الخارج وحشٌ يلوّح بمخالبه،
لكنكِ أقوى من أن يلتهمكِ.
اخرجي بإرادتكِ،
لا تنتظري خلاصًا من أحد،
كوني أنتِ خلاصكِ،
عيشي، وابتسمي رغم ثقل الندوب،
افعلي ما لم أقدر عليه،
ولتكن حياتكِ حكايةً تروى عن فتاة
كسرت قيود الحزن،
واختارت أن تمضي خفيفة القلب،
غنية الروح.
الكاتب: يونس موفق العزي
"أحضان غير كافية..."
في ليلٍ هادئ، عندما تغفو الأضواء، تبحث بعض النساء عن دفءٍ ما، ليس في حضن الزوج، بل في حضن دبّ صغير، قد يكون هذا الدب رمزًا للحب المفقود، أو تعويضًا عن احتياجات عاطفية غير ملباة.
لكن هل يمكن أن يكون الحب الحقيقي بديلًا عن الأشياء؟
وفي نفس تلك اللحظات قد تنسى المرأة ضغوط الحياة، وتجد في دبّها الأمان الذي تبحث عنه، لكن هل سيبقى هذا الدب كافيًا لملء الفراغ؟ أم سيظل حلمًا مؤقتًا يتلاشى مع شروق الشمس؟وربما يكون مجرد تعويض مؤقت، لكنه يظل رمزًا للحب الذي تبحث عنه، وربما يكون الزوج هو من يحتاج إلى تذكير بأهمية الحب والاهتمام. في النهاية، الحب ليس مجرد كلمة، بل هو أفعال وتضحيات.
الكاتب: زين العابدين الصافي
"ليلة دون قناع"
الصباح نستيقظ بلا أقنعة، بلا مجاملات،
يوم واحد فقط، قل الحقيقة لنفسك،
أخبرها انك متعب، أعلن إستسلامك من هذه الظروف،
بدل أن تكذب على نفسك وتقول: «أنا بخير».
ولا تجامل.
ابتعد، من سيبقى ومن سيصمد,
قد يبدو كل شيء غير مؤلوف وقاسٍ،
لكن القسوة ستبقى حقيقة، ونحن نؤجلها.
لن يعود العالم أنقى في اليوم،
لن تكافأ على صدقك،
وقد تنام وحيداً اكثر من اي يوم مضى،
قد تتغير وقد تترك،
ولكن لأول مرة لن تكذب قبل أن تغمض عينيك،
لتعلن أخيراً أنك لن تكذب،
وتعيش بلا قناع الخوف والكذب والمجاملات،
لا أحد سيشكرك على صدقك،
هم فقط انتظروا اللحظة التي تتوقف فيها عن التظاهر.
ستفهم متأخراً، لن تستطيع العودة.
ابقِ نسختك الأصلية بلا اقنعة.
الكاتبة: فرح الشوابكة
هل يمكنني أن أُفرغ عقلي…
أن أضعه جانبًا، ولو قليلًا؟
فهو غالبًا يقودني إلى الوحدة،
يتخذ قراراته
ثم يتركني بلا رد،
بلا تفسير،
بلا إجابة تطمئن قلبي.
يتركني معلّقة
بين أسئلة لا تُجاب
وأمان لا يصل.
وأحيانًا…
نادرًا جدًا،
يفكّر بعاطفة،
فيضعف،
وينكسر.
ثم يعود العقل من جديد،
منطقيًّا أكثر مما أحتمل،
قاسيًا،
باردًا،
يفكّر دون أن يشعر،
ويقرر دون رغبة.
الكاتبة: جينيا مناع
تدقيق :سدين الملكاوي
تحرير :شهد الحسن
تعليقات