العدد الثاني عشر
"تاءٌ عالقةٌ"
جدارٌ زجاجيٌّ يفصل بينهن، رغم أنّ الصّور مرئيّةٌ لكنّ الجدار مستقرٌّ كحقيقةٍ ثابتةٍ لا تقبل الشّكّ، همساتٌ كريهة الرّائحة تفوح لكنّها غير نافذةٍ، ابتساماتٌ تحاول التّحرّر حراها تجد ضالّتها، نظراتٌ متبادلةٌ تصاحبها همهماتٌ بين الطّرفين، لا تلتقي الطّرق أبدًا قد تتقاطع لكنّها أشبه بقطارين لا يسيران على خطوط السّكّة عينها، لو حدث وتقاطعا عند نقطةٍ مشتركةٍ لدوّى صوت انفجارٍ مروّعٍ، داومت على المراقبة الصّامتةٌ لتحرّكاتهن رغم أنّها لم تعرف كيف كانت البداية؟ كيف انغمست في هذا الوحل فسايرتهن مغمضة العينين؟ متى تزول هذه الغمامة عن صدرها فضميرها يجلدها؟
لكن الوقت المناسب قد فات، طعنة في الظّهر بسكينٍ مسنّنةٍ بسمّ الغدر، من قبل من كانت لهنّ عونًا عبر صمتها؛ فالتأييد متمثّلٌ بتلك الصّورة، السّكوت على ما بدر منهن كان تعبيرًا عن رضاها.
تحطّم الجدار..
آلمها ما فعلنه بها لكنّها لم تصرخ، بل قالت بتلعثم بين شهقاتها، وعبراتها التي أطلقت سراحها رغمًا عنها في الخفاء: لماذا حدث ذلك معي؟ ماذا فعلت؟ أنا لست سيئ...
لم تكمل؛ لأن التاء في كلمة (سيئة) لم تتحرّر بل علقت في حلقها، كعلامةٍ شاهدةٍ على جريمتها المتمثّلة بتواطئها، أشبه بنقشٍ مرسومٍ على عباءة الذّكريات، حاولت إصلاح ما أفسدته عبر المبادرة بفتح صفحةٍ جديدةٍ مع إحدى الضحايا، إلّا إنّها ضربت بجهودها عرض الحائط، بمثابة عقوبةٍ دنيويّةٍ لقاء ما اقترفته.
إنّها تاء التّراكمات إثر تاء التّنازل عن مبادئها، تحطّم الجدار، تصدّع خافقها، تاء في النّهاية أعجزتها عن استئصال جروحها من خلال إكمال جملة (أنا لست سيئة).
الكاتبة: ميساء بسام
"لحظة الانتظار في ظلام الليل"
أجلس وحيدًا في ظلمة الليل، وأفكاري تتدافع في رأسي، وأسئلة كثيرة تبحث عن إجابات، وأتأمل في ما قد يخبئه لنا المستقبل يا ترى، وكيف ستكون النهايات؟
في وحدة انعزالي، أفكر كثيرا بما حدث وبما سيحدث، إلى درجة أن أسأل نفسي: ماذا لو لم يحدث؟ وماذا لو حدث، ماذا ستكون ردة الفعل؟
أنا في انتظار أحلام أو دعوة دعوت بها من سنين، كيف ستكون ردة الفعل؟ للإنسان خذلته الحياة والأشخاص وحتى الطريق، وفقد أمله ورغبته بالحياة، ولكن رغم هذا لا يزال هنا، على قيد الأمل والحلم، ولو كان قليلاً.
هل يستحق كل هذا العناء؟ وهل ستكون النهاية سعيدة كما كان يتمناها؟ هل ستكون الحياة أجمل مما نتخيل؟
رغم كل هذه الأسئلة التي تعصف في ذهني والتي أسألها لنفسي ألف مرة، لكنني أملك بصيصًا من الأمل، ولو كان بسيطًا، رغم أنني غارقة في بحر من اليأس والحزن، لكنني أؤمن بأن النهايات السعيدة آتية، ولو بعد حين، وأنها قريبة مني جدًا، وحينها سأسعد بقدومها، وستغمرني الفرحة، وستذرف دموعي بشدة من السعادة.
الكاتبة روان قداح
"وحدتي"
شيءٌ ما بداخلي لا يهدأ… يتحدّث ويتحدّث، ولا أستطيع إسكاتَه،
وقلبي مليءٌ برسائلَ لم تُكتب، وداخلي معاركُ لا هدنةَ ولا نهايةَ لها،
وفي كلّ مرةٍ أقترب من الوصول، أسقط من جديد… كأنّ روحي تنطفئ.
داخلي مليءٌ بالكلام ولا أستطيع البوح.
أفكّر بأفكارٍ عشوائية كثيرة، أشعر أنّ داخل رأسي ضوضاء، ولا توجد طريقة لإسكاتها.
متعبةٌ جداً… حتى من الهواء الذي أتنفّسه، متعبةٌ حتى من نفسي.
مُشتّتةٌ هذه المرّة بطريقةٍ غريبة؛ وجهي شاحب ولا آكل جيداً، وكأنّ اليأس ينتصر في حربه ضدّي،
وكأنّ ظلام الكون كلّه يحيط بي.
تائهةٌ تماماً، ودموعي تنهمر لأبسط الأمور.
وكلّ ما أفعله هو الصمت… والسكون… والهدوء التام،
لا طاقة لديّ لفعل أي شيء سوى التحديق في سقف غرفتي.
الكاتبة: اماني الدعجة
"حين ينهض الضّوء من بين الشّقوق"
في داخل كلّ واحدٍ منّا غرفةٌ صغيرة لا يجرؤ الكثيرون على دخولها، غرفةٌ تجلس فيها نسختنا الأكثر وجعًا، تلك التي لم تتعلّم بعد كيف تخفي ارتجاف الرّوح وراء ابتسامةٍ يوميّة.
نظنّ أنّنا انكسرنا، وأنّ شظايانا تناثرت بلا رجعة، لكنّ الحقيقة أنّ الشّقوق ليست نهاية، بل بدايةٌ لشيءٍ آخر، فالإنسان الذي يبدو مُحطَّمًا من الخارج، قد يكون أكثر من يحاول أن ينقذ نفسه من الدّاخل، والزّهور التي تنبت في الرّأس ليست جمالًا فحسب، بل محاولات يائسة للنّجاة، وذكاءٌ صامت يعرف كيف يحوّل الخراب إلى احتمال.
والفراشات التي تحوم حول الألم ليست صدفة، بل رسائل صغيرة تقول إن ما يؤلمنا اليوم سيصنع منّا غدًا شكلًا جديدًا.
في لحظةٍ ما، ستفتح روحك بابها الدّاخلي،
ستقف أمام ذاتك التي ظننتها ضائعة، وستدرك أنّها لم تُغادر، بل كانت تنتظر أن تجرؤ أنت على الاقتراب، وحينها فقط ستعرف هذه الحقيقة البسيطة القاتلة الجميلة: أنّ الضّوء لا يأتي من الخارج، بل من النّقطة التي ظننت أنّها الأكثر ظلامًا فيك.
الكاتبة: ورود نبيل
"من غبار الدّاخل… إلى شمس الخارج"
يا أنايَ الدّاخلية التي خُلِقت من طبقاتٍ من الصمت، ومن أوجاعٍ لم تجرؤ الكلمات يومًا على حملها، أكتبُ إليكِ الآن رسالةً أخيرة، لا لأودّعكِ… بل لأقيم لكِ ميلادًا جديدًا.
لقد ظننتِ طويلًا أنّ ما في جوفكِ سيختفي، أنّ الوجعَ يمضي مثل دخانٍ يتلاشى، لكنّ الحقيقة يا صغيرتي أنّ ما يسكن الأعماق لا يرحل… بل يتحوّل.
يتحوّل كما يتحوّل الفحم في قلب الأرض إلى ألماس، وكما يتحوّل الليل في أشدّ ظلمته إلى فجرٍ لا يُخطئ موعده.
يا أنثى الداخل، لقد عشتِ مختبئةً خلف خوْفٍ ليس خوفكِ، وانحناءاتٍ لم تُخلَق لظهركِ، وجروحٍ لم تكن خطيئتكِ.
كنتِ مثل ورقةٍ خضراء عالقة في شقّ صخرة، تُصارعين الريح، ولا تعلمين أنّكِ في الحقيقة
تنبتين.
ولذلك جئتُ إليكِ الآن…
أنا، أنثى الخارج، التي حملتُ ملامحكِ في صوتي، وجرأتكِ في خطوتي، وصلابتكِ في نظرتي.
جئتُ لأخبركِ أنّ كلَّ ما تشقق فيكِ صار جسورًا أعبرُ بها إلى العالم.
صدقيني…
لم يذهب شيء منكِ سُدى.
لا دمعة، ولا شهقة، ولا ليلةٌ كنتِ فيها على حافة الانطفاء.
كلّها صارت وقودًا يشعل وجهي الذي يواجه الكون، وصار صدركِ المكسورُ أمس قلبًا يقترب اليوم من اكتماله.
فيا أنثى الأعماق، لا تخافي حينما تشعرين أن ما فيكِ سيذهب؛ فما يُظنّ أنّه يرحل إنما يعود بطريقةٍ أخرى، أعلى، أنقى، وأكثر قدرةً على الوقوف.
أنا أنتِ…
لكن نسخة خرجت إلى الضوء،
نسخةٌ لم تعد تخجل من ظلّها، ولم تعد ترتجف من الحقيقة، ولم تعد تعتذر عن نبضها.
أنا أنثاكِ الخارجيّة…
ابنتكِ التي صنعتِها من الشقوق،
ووريثتكِ التي خرجت من غباركِ
لتكون شمسكِ التي لا تغيب.
الكاتبة نانسي بلال السيوري
"ظلي الذي علمتي الضوء"
ما كان خوفي على روحي من العالم، بل من تلك العتمة التي كانت تُقيم في داخلي.
كنتُ أمشي بين الناس بكامل هيئتي، بينما يتكسّرُ داخلي بصمتٍ لا يسمعه أحد،
وفي عمق رأسي بابٌ صغير، لا يفتحه غيري، خلفه ظلٌّ لامرأةٍ تشبهني، تجلس على ركام أيامي، وتنتظر أن أمتلك الشجاعة لأقترب منها.
كلُّ زهرةٍ نبتت في صدري عرفَت أن الجمال يولد من الألم، وأنّ الشقوق ليست ضعفًا، بل نوافذُ يدخل منها الضوء.
ولأنني تعبتُ من حمل نفسي، قررتُ أن أنهض… لا لأهرب من ظِلّي، بل لأصافحه، وأمشي معه إلى حيث لا يعود الداخل سجنًا، ولا يصبح الرأسُ مقبرةً للأحلام.
الكاتبة: سوزان رائد خريوش
"وطن يسكن روحي"
في روحي عالمٌ آخر لا يعرفه سواي،
عالمٌ أعود إليه كلما ضاقت بي الحياة،
كأنّه الوطن الذي أهرب نحوه لأحتمي من واقعٍ لا يُشبهني،
ولا يشبه شيئًا من أحلامي.
أجلس هناك، في داخلي،
أبحث عن قبس نورٍ صغير
أضيء به خيباتي،
وأرمّم به انكساراتي التي أثقلتني.
وتنمو في أطراف هذا العالم
أحلامٌ باهتة،
زهورٌ سوداء بلا عطر، بلا نبض، بلا حياة…
لكنني رغم كل هذا
أحاول آلاف المرات
أن أصنع لنفسي سعادةً ما،
سعادةً لا تعتمد على أحد.
لعلّها تأتي صدفةً في لحظةٍ لا أتوقعها،
أو لعلّ الضوء يتسلل أخيرًا إلى داخلي،
وينير كلّ عتمة سكنتني،
فتزهر أحلامي من جديد،
وتنبت زهورًا تجذب الفراشات
بجمالها… وبرحيقها… وبحياةٍ كنت أظنها بعيدة.
الكاتبة: رجاء عرنوس
"وِحدة"
أخطو أميال خارج المنزل، وحين أعود تراودني الفكرة ذاتها، التي تمنيت أن أضيعها في الطريق، أعود حيث ظُلمتي مثقلة بما لم أستطع رميه وأنا في الخارج، محملة بذكرياتٍ وأشخاص غادروا حياتي دون أن يغادروني، وحدي أصارع نفسي وحدي أصارع ذكرياتي، سؤال واحد بلا جواب، كيف للمرء أن ينجوا من ذكرياته؟
الكاتبة: رزان جواد
"بوّابة الظل"
كأنني أنثى خُلقت من شقوقٍ كثيرة، لا تنكسر تمامًا ولا تلتئم تمامًا،
في داخلي غرفةٌ لا يدخلها أحد، أقف عند عتبتها كلّما أثقلني العالم، أراقب ظلّي وهو يحاول أن يفهمني أكثر.
تتفتح من حولي أزهارٌ سوداء، تشهد على كم مرة انهرتُ ثم وقفت، وكم مرة صرتُ أقوى بعدما حسبوني انتهيت.
وكلّما رفرفت فراشةٌ قرب وجهي، تذكّرتُ أنّ الجمال يولد حتى من الخراب… وأنّ النور، مهما تأخر، يعرف طريقه إليّ.
الكاتبة: حنين ابراهيم
"صدى الصمت"
أعيشُ في فضاءٍ داخليٍّ شاسع، حيث لا ينقطعُ الحديث أبدًا، لكن لا يصله صوتٌ من الخارج.
هذا الكمين الصامت، هذه الثرثرة الفكرية المستمرة، هو ما صنعَ هذا التباين: قشرةٌ خارجيةٌ هشةٌ وصامتة، تخفي بركانًا من الوعي المتأجج. أتقمصُ دورَ الشخص الكتوم، ولكن وراءَ هذا الجمود الظاهري، هناك كيانٌ مستيقظٌ دائمًا، ساهرٌ لا ينام.
هذه اليقظةُ الداخليةُ هي نقيضي ونكبتي؛ تسرقُ مني راحةَ الجسدِ وصفاءَ الذهن.
أمشي بين الناسِ بذهولٍ، كثيرُ النسيانِ للأحداثِ الخارجيةِ التافهة، لأنّ كلَّ انتباهي مُصوَّبٌ نحو معركتي الداخلية، هي حالةٌ من الانسحابِ القسريِّ من محيطي، حيث يصبحُ التواصلُ مع العالمِ الخارجيِّ عبئًا، لأنَّ صوتي الداخليَّ أعلى وأقوى.
أنا لستُ صامتًا عن رغبة، بل لأني أُجبرتُ على الاستماع إلى هذا الصدى الدائم الذي يمنعني من أن أكونَ جزءًا حيًا من الحضور.
الكاتبة: سلسبيل أحمد
تدقيق: سدين الملكاوي
تحرير :شهد الحسن
تعليقات