عطش لا يهون
حسّيته ليلة "ترفُض فيها كلّ الكؤوس الممدودة إليك، وتظلّين وفيّة لعطشك العنيد".
خرجتُ عند التاسعة، ولم أكن أمشي بقدميّ بقدر ما كانت قوة خفيّة تجرّني إلى الحافلة. جلستُ عند النافذة؛ لا أدري هل اخترتها أم أنّها اختارتني بأنانيتها لأكون ظلًّا لها. بأيّ حال، كنتُ أحتاجها قريبة. أسندتُ رأسي، وأدرت وجهي لأتتبّع خطوط إنارة السيارات المسرعة، والهواء الليلي يصطدم برموشي النعسانة من شقّ الشباك. المرأة بجواري — كأنّ عينَيّ أفصحتا أكثر ممّا ينبغي — بدأت تربّت على كتفي بحنان، وتمسح رأسي بآيات تُتلى بهدوء.
كنتُ أفكّر بأشياء لا تنحصر في خاطرة واحدة. رأسي منذ زمن طويل لا يهدأ. أفكّر بقلبي الصغير الذي انهار عند أوّل امتحان حقيقي، وبالمرأة الصلبة التي ظننت أنّني أصبحتها؛ تتعب حين ترى روحًا متعبة أمامها. القلب الذي حسبتُه تحجّر، نبتت فيه فجأة ورقة خضراء في تربة طيّبة.
وسؤال واحد يدور في الدقيقة مئة مرّة: هل سأكون على قدر المسؤولية؟ أقولها بصراحة: أنا خائفة. مرّ أسبوع غيّرتُ فيه مجرى حياتي؛ حملت نفسي فوق طاقتها، أتعبتها وأثقلتُها حتى نسيتُها، فعادت في آخر اليوم تعاتبني لأنّي كنت آخر خيط أمل يقف معها… وخذلتها. اليوم لا يهمّني العتاب بقدر ما يهمّني أنّي تعلّمت: الخذلان الوحيد الذي لا ينكسر فيه المرء هو خذلانه لنفسه.
لهذا — وعلى طريقة العطش العنيد — رددت كلّ أكواب الراحة المؤقتة التي مدّت إليّ، لأظلّ وفيّة لما يُعلّمه العطش: أن أسمع قلبي جيّدًا، وألا أنصت لضعفي حين يوسوس بالاستسلام.
وأفكّر في الوداعات واللقاءات التي تعبر أيامنا: لا تقل "وداعًا" أبدًا؛ كلّ يوم يخبّئ معجزة، قل "إلى اللقاء" — فاللقاءات، مهما ضاقت بنا البلاد، ما زالت ممكنة.
الكاتبة: نانسي بلال السيوري
تدقيق: سحر العيسه
تحرير: رهف وسيم رمانة

تعليقات