حين صار الجوع صوتًا... ولم يبقَ أحدًا ليسمعه

 







رأيتُ طفلًا في غزة،

يُحدّق بكسرة خبزٍ على الأرض،

كأنها كنزٌ لا يُقدَّر،

وعيناه لا تطلبان شيئًا من الدنيا،

سوى أن تتوقّف معدته عن التوسّل،

وتصمت دموعه قليلًا… فقط قليلًا،

كأنّ البكاء صار وجبته الدافئة الأخيرة.


غزة لا تطلب المستحيل،

ولا تطلب طعامًا فخمًا،

ولا أن يكتب عنها في العنوانين...

كل ما تريده هو الخبز... 

مجرد خبزٍ،

ليتوقّف البكاء في الليل،

وليشعر الطفل أنّ الحياة

لا تكرهه إلى هذه الدرجة،

ولا تطعنه في أكثر أماكنه جوعًا.


أمٌ تشطر لقمة واحدة

بين ثلاثة أطفال…

ثمَّ تتظاهر أنّها شبعت،

كي يناموا وهم يظنون أنّ الأم لا تجوع،

لكنّهم لا يعلمون

أنّ الأم إن جاعت مرتين،

فالجوع الأكبر كان عندما نظرت إليهم

ولم تجد ما تقدّمه سوى صدرها المرتعش.


وفي مكانٍ بعيد،

يصوّرون الطعام بعد ترتيبه،

يكتبون "شهية طيبة"،

بينما في غزة،

حتى الصور تخجل من نفسها،

لأنّ هناك طفلًا

يُذِلّه الجوع،

ويُذبح بصمت،

ويقولها ولا أحد يسمعه:

"أنا جائع… وما حدا برد عليّ."، 


هل سألنا أنفسنا يومًا

كيف يموت طفلٌ من الجوع؟

ليس بجسدٍ هزيل فقط،

بل بروحٍ أصبحت أضعف من أن تبكي،

وعينٍ لا تنام لأنّها لا تشبع،

وصوتٍ لا يُسمع لأنه غير مهم في نشرة المساء.


غزة ليست بخير،

وغزة لا تملك رفاهية الانتظار،

الجوع يقتلهم بصمت،

والعالم مشغولٌ جدًا

بحفلاتٍ لا تسمع صوت الألم،

إذا انطفأت الموسيقى،

وهدأ الضجيج،

هل سيتذكرون؟

هل سيتوقّف هذا العالم عن الأكل قليلًا

لينظر إلى غزة وهي تموت

دون أن تتذوّق الحياة؟.


بقلم: أفنان يوسف.

تدقيق: وصال وسام العجالين 

تحرير: رهف وسيم رمانة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.