"مرايا الداخل : حديث الكاتب مع نفسه"


   

 


 


   

كان مساءً باردًا، لكنه لم يكن كبقية الأُمسيات، كانت المدينة غارقة في ضجيجها المعتاد، السيارات تمر على الإسفلت تاركة خلفها أنفاسًا متقطعة من الضوء، والناس يمرون كأنهم مجرد ظلال تائهة تبحث عن غاية ما.

في زاوية أحد الأرصفة، جلستُ مستندًا إلى جدار قديم، أحدق في الأرض وكأنني أبحث عن شيء ضائع منذ زمن. لم أكن أبحث عن إجابة، ربما كنت أبحث عن نفسي.

ثم رأيته.

لم يكن يفترض أن يكون هنا. كان طفلًا صغيرًا، بالكاد يتجاوز العاشرة، يجلس على بعد أمتار مني، يركل حجرًا صغيرًا بقدمه، مغمورًا في أفكاره. كان مألوفًا بطريقة مزعجة، كأنني رأيته من قبل، كأنني أعرفه أكثر مما أعرف نفسي.

لم أحتج سوى لحظة واحدة لأدرك الحقيقة.

لقد كان… أنا.

ثم تقدم نحوي ببطء وسألني:

"من أنت؟"
سألني بنبرة حادة، عينيه تحملان تحديًا لا يليق بطفل.

"أنا… أنت حين تكبر."

ضحك، تلك الضحكة النقية التي كنتُ أملكها يومًا، ثم نظر إليّ بفضول:

"أنت تكذب. لا يمكن أن أبدو بهذا التعب."

شعرتُ بوخزة في صدري. لقد كان على حق، لم أكن أبدو كما كان يفترض بي أن أبدو. لم تكن عيناي تحملان ذات البريق الذي كانت تحمله عيناه، ولم يكن قلبي ينبض بذات الحماسة التي كنتُ أعرفها في طفولتي.

جلس بجواري، وكأنه يختبرني، ثم سأل:

"هل درستَ الهندسة المعمارية؟"

ابتسمتُ، تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها سنوات من الكفاح والجهد، وقلتُ:

"نعم، أنا الآن في سنتي الثالثة."

اتسعت عيناه بفرح طفولي، كأن حلمًا بعيدًا قد تحقق فجأة:

"كنتُ أعلم! كنتُ دائمًا أقول إنني سأبني أجمل المباني في العالم!"

راقبته وهو يتحدث، وشعرتُ بغصة لم أفهمها تمامًا. هل كنتُ لا أزال أمتلك هذا الشغف؟ أم أنني فقدته في زحام الواقع؟

ثم، كما لو أنه قرأ أفكاري، صمت قليلًا قبل أن يرفع رأسه إليّ ويسأل:

"لكن… هل أحببت؟"

كان السؤال متوقعًا، لكنني لم أكن مستعدًا له.

أغمضتُ عيني لثوانٍ، ثم قلتُ بصوت خافت:

"نعم… أحببت."

نظر إليّ بدهشة، كأنه يسمع عن شيء لم يكن جزءًا من عالمه بعد. ثم ابتسم، وقال بثقة:

"هذا رائع! هل كان الأمر كما تخيلته؟"

ترددتُ للحظة، ثم ابتسمتُ بمرارة:

"كان جميلاً… لكنه انتهى."

تلاشت ابتسامته، عقد حاجبيه في حيرة، ثم سألني وكأنه يحاول استيعاب الأمر:

"لكن… لماذا؟ ألم تكن تحبها؟"

تنفستُ ببطء، ثم قلتُ بهدوء:

"أحيانًا، الحب وحده لا يكفي."

نظر إليّ، لكنه لم يفهم. كيف له أن يفهم؟ لم يكن قد جُرِّبَ بعد، لم يكن قد شعر بالخذلان، لم يكن قد عرف كيف يمكن للحب أن يتحول إلى ذاكرة مؤلمة ترفض أن تموت.

صمتنا قليلًا، ثم قال بصوت منخفض:

"هل يمكن أن تحب مرة أخرى؟"

حركتُ يدي فوق الرصيف، أشعر بخشونته تحت أصابعي، وكأنني أبحث عن إجابة من بين التشققات الصغيرة فيه، ثم همستُ:

"لا أعلم…"

بدا عليه الاستغراب، لكنه لم يلح في السؤال. بدلًا من ذلك، نظر إليّ نظرة عميقة، ثم قال:

"لكن لا بد أنك حاولت، صحيح؟"

ضحكتُ بسخرية، ثم قلتُ:

"ربما. لكنني لم أكن متأكدًا أبدًا. هناك فتاة… أظن أنها تشبهني، لكنني لا أعلم إن كانت تبادلني ما أشعر به، أو إن كان هذا مجرد وهم صنعه قلبي الذي اعتاد أن يُخدَع."

أطرق برأسه، ثم قال بصوت خافت:

"وهل تعتقد أنها يمكن أن تحتضن قلبك؟"

رفعتُ نظري إلى السماء، حيث كانت النجوم تتناثر كقطع زجاج مكسورة، ثم قلتُ بصوت يشوبه الحيرة:

"لا أعتقد أن هناك فتاة ستحتضن قلبي كما هو، بكل ندوبه، بكل مخاوفه، بكل ما فقده."

بقي ينظر إليّ، ثم هز رأسه وقال ببساطة:

"هذا محزن."

لم أجب. ماذا كنتُ سأقول؟ أنني تعلمتُ أن الحب ليس كما تصورته حين كنتُ طفلاً؟ أن المشاعر الصادقة قد لا تكون كافية دائمًا؟ أن القلوب التي تُكسر لا تعود كما كانت؟

بعد لحظات، رفع رأسه إليّ مجددًا وقال بثقة طفولية:

"لكنني متأكد أنك ستكون بخير."

نظرتُ إليه طويلًا.

رأيتُ في عينيه ما كنتُ عليه يومًا، وما كنتُ أطمح لأن أكونه. رأيتُ أحلامًا لم تنطفئ بعد، وأملًا لم يلوثه الواقع.

ابتسمتُ أخيرًا، ابتسامة حقيقية هذه المرة، ثم وضعتُ يدي على رأسه وقلتُ بهدوء:

"أتمنى ذلك، صغيري… أتمنى ذلك."

• الكاتب :صلاح الدين العفيف
........................................................................
" حين التقى الرماد بالنار"

كان الليل ساكنًا، والكون يمورُ بصمتٍ كأنه يتهيّأ لشهادةٍ ثقيلة.
جلستُ أنا، فجلستْ أمامي… لم تكن غريبة، بل كنتُها… قبل أن أُصبح ما أنا عليه.
تأملتُها، كانت تشبهني، لكن عيناها... كان فيهما الانكسار كُتب بألف لُغة.

قالت بصوتٍ متشظٍّ من الحنين والخذلان:
"أما زلتِ تتنكّرين لي؟
أنا التي صلّيتُ تحت المطر، وابتسمتُ للخذلان كأنّه ضيفٌ عابر.
أنا من حلمتُ بحماقة، وأحببتُ بصدق، وسقطتُ في كل مرةٍ بكرامة!
فأين أنتِ مني؟ أين الرحمة؟ أين القلب؟"

فرفعتُ رأسي، وقلتُ، وأنا أمسح على وجعي كما يُمسحُ الغبارُ عن سيف:
"أنا التي كفّنتُكِ بيدي.
لا تنكّرين... لقد قتلتِني ألف مرّة حين كنتِ تظنّين أنكِ تُحبّين.
غفرْتِ لمن لا يستحق، فمزّقكِ الغفران.
أعطيتِ لمن لا يسأل، فسرقكِ العطاء.
أنا مَن مسحتُ آثار دموعكِ عن وجنتيّ، لا لأجفّفها، بل لأقطع الطريق على نزول غيرها."

قالت وهي تمسك صدرها كأنّ ذاكرةً انغرست كالسهم:
"لكنكِ قاسية...
أنا كنتُ الرفق، واللّين، والحلم، والطيبة الطفولية،
أما أنتِ، فكلّكِ شوك، لا يجرؤ أحدٌ أن يقترب.
أين ذهبنا؟ متى تحوّلنا؟"

فنهضتُ، كأنني قمتُ من رمادٍ لم يبرد بعد،
وقلتُ بصوتٍ يقطر جمرًا:
"لم أكن شوكًا إلا لأنكِ كنتِ وردةً تُقطع كلّ صباح!
رأيتُكِ تُسحقين، تُهانين، تُنسين،
فهل كان لزامًا أن أستمرّ في ذات الجنون؟
أنا الآن أعرف قيمتي، أعرف وزني حين أمشي، وصمتي حين أتكلم، وحدّي حين أبتسم.
لقد كبرتُ عليكِ، كبرتُ على الألم، على التكرار، على أن أكون ضحيّةً بأدب."

قالت، والدمع يسبق صوتها:
"ألم تشتاقي لي؟
ألا تفتقدين تلك الفتاة التي كانت تُصدق الجميع، وتؤمن بأن الخير كافٍ؟"

فأجبتها وأنا أشيّعها للمرة الأخيرة في قلبي:
"أشتاقكِ كما يشتاق السجين لليلٍ بلا قضبان...
لكنني لا أحنُّ إلى ما يُميتني.
كنتِ جميلة، نعم...
لكن الجمال الضعيف لا يحمي، لا يُنقذ، لا يبني.
لقد دفنتكِ، لا لأنني كرهتكِ،
بل لأن حبكِ كاد يقتلني."

ساد الصمتُ، لا يُكسره إلا أنينُ الروح بيني وبيني.
ثم همستُ في النهاية:
"سلامٌ عليكِ...
يا من كنتِ أنا، ولم تعودي."

الكاتبة : شيماء عجم
........................................................................

الهدوء يلفُّ الأرجاء، والسماء غطتها السحب الداكنة، حتى القمر بدا وكأنه يعلن الحداد.
دموع السماء تنهمر بغزارة، والرعد يرعد بعنف، كأنه صرخات ألم تتردد في الفضاء.
بينما الجميع يختبئون خلف الجدران، وقفتُ أنا في منتصف الطريق، أمام تلك الصغيرة التي لا تزال ابتسامتها النابعة من قلبها تملأ وجهها نورًا، كشعاع من الأمل في ليلة مظلمة.

أنا ومعالم وجهي غطتها آثار التعب والإنهيار:
"لم فعلتي بي هذا؟"

هي ببراءة وبسمة:
"ماذا فعلت؟ لا أفهم مقصدك."

أنا:
"لم كنتي السبب في هلاكي؟ ألم تكوني يومًا ملاكي؟"

هي وقد ظهر على وجهها الحزن والفزع:
"ماذا فعلت؟ أقسم أني لم أصب أحدًا بأذى، وكنت أحب الجميع."

أنا وقد نفذت قواي للاحتمال وصرخت بها حتى بلغت صراختي السماء:
"وهذه المشكلة أنكِ أحببتِ الجميع! لما لم تفكري للحظات قبل أن تقومي بهذا الغباء؟ أخبريني، لما كنتي تصمتين عندما كان يسخر ويتنمر عليكِ أصدقاؤك؟"

هي وقد بدأت دموعها بالانهمار وشهقاتها الصغيرة بدأ يعلو صوتها وكلماتها متقطعة:
"لقد... لقد كانوا يمزحون معي فقط.. لم يقصدوا إيذائي."

وأنا أضحك بقوة ساخرة:
"حقًا؟ ولما إذن كنتي تضحكين معهم ثم تعودين تبكين على ما قالوا... حسنًا، دعكي من هذا. لما كنتِ تثقين بكل الأشخاص بسهولة وتحكين لهم أسرارك؟ أجننتي يا فتاة؟"

هي بدفاع:
"لأنهم يحبوني وأثق بهم، وأنهم لم يخذلوني."

أنا بصراخ:
"ومن قال لكِ هذا؟ سيبتعد عنكِ الجميع لاحقًا، سيضعون أعذارًا لا معنى لها ويبتعدون ويتركونكِ وحدك."

أكملتُ بينما هي تنظر لي بعيون شاحبة وشهقاتها تعلو:
"أتعلمين، أنا لا اشتاق إليكِ، وإن عاد بي الزمان، فلن ألتقِ بكِ ثانية. الآن أدفع ثمن أخطائكِ، ثمن نقاء قلبكِ الذي خدعني، ثمن حبكِ المزعوم للجميع، وثقتكِ العمياء التي أضاعت كل شيء. بينما أنتِ تلهين بالضحك والمرح، أجدني غارقًا في دموعي وصراخي. لا تشغلكِ هموم الغد، بينما أنا أسجن في زنزانة الأمس والغد واليوم، لا أجد النوم هروبًا من أفكاري."

 لأتوقف على أثر كلماتها التي ذكرتني بحياتي البائسة منذ كنت طفلة، وهى تغطي وجهها بيدها وهى تبكي بشدة:
"أنتِ.. أنتِ تعلمين أنني أكره الوحدة، وأن الجميع يتنمرون عليّ. ماذا أفعل؟ أأموت قهرًا في هذا السن برأيك ؟ كنت أبحث عن من يحتويني، كنت أبحث عن أحد يحبني، كنت أتجاهل كل الأخطاء حتى لا أعود وحيدة."

لاقترب منها ودموعي عرفت طريقها حتى اختلطت شهقات الرعد بشهقات كلانا، لأجلس على ركبتي أمامها وأجذبها لأحضاني، أعطيها الأمان الذي طالما تمنيته سابقًا. وربت على ظهرها وأنا أقول بشفقة:
"أعتذر.. لم أقصد أن أجرحك، لكن ماذا أفعل وقد امتلأ قلبي بآلام لا نهاية لها؟ ونسيت أنكِ لازلتِ بقلبٍ أبيض كنقاء الثلج، وأنا تحلى قلبي بالأسود الذي سينهيه عما قريب."

- الكاتبة: أميرة طلعت

........................................................................
أنا: لمَ أُحبُّ من لا يلتفت إليّ؟
ذاتي: لأنّ في قلبك اتّساعًا لا يُدركه ضيقُ تجاهل، ولأنّ العطاء فيك فطرة لا تُغيّرها خيبات.

أنا: لكنّي أتهالك، أذبل كأنّ الحبّ سُقيا لغيري وأنا في جدبٍ مقيم.

ذاتي: وما الذبول إلا موسمٌ مؤقت، يولد من بعده ربيعٌ لا ينبت فيه إلا من أحبّك لذاتك، لا لصورتك في عينه.

أنا: أتراه يشعر بي؟ يسمع نبضي حين يمرّ اسمه في خاطري؟
ذاتي: هو لا يسمعك لأنّه لا يصمت، أما أنتَ فكلّك إنصات، ولهذا يعلو صوته في قلبك وحدك.

أنا: فلمَ لا أُطفئ هذا النور الذي يشتعل لأجله؟
ذاتي: لأنّ النور من ذاتك لا منه، ولأنّك اعتدتَ أن تُنير الطرقات وإن سلكها غيرك.

أنا: أأعاقَب على حُبٍّ لم أُفصِح به؟
ذاتي: لا عقوبة في الحبّ، بل الامتحان فيه أن تُحبّ دون أن تُطالب، وأن تُعطي دون أن تنتظر.

أنا: وهل سيعرف أحدٌ يومًا ما مررتُ به من صراع؟
ذاتي: سيعرف من يرى في عينيك أثر الاحتراق، من يقرأك لا كصفحة عابرة، بل كنصٍّ مُقدّسٍ كُتب بالحبر والدمع معًا.

أنا: ومتى أشفى؟
ذاتي: حين تعلم أنّ الحبّ لا يُفقدك، بل يكشفك، وأنّك حين أحببتَ، كنتَ في أصدق حالاتك، حتى لو كنتَ وحدك.

 - الكاتب: عبدالكافي الصالح
........................................................................

أنا نفسي

‏كان صباحا ممطرًا و جميلًا جدًا المطر لم يكن غزيرًا جدًا كان المطر الهتان الذي ينزل عليك ليمسح عن قلبك كل شيء يؤذيك.

 كان يوم ليس كباقي الأيام يحمل في طياته الكثير من التساؤلات والأفكار والأحلام.

 كنت جالسًا على كرسي تحت المطر أنظر إلى السماء لأرى ماذا حل بي هل فعلا هذه أنا ؟

‏ثم جاءت طفلة صغيرة تنظر إلي حيث أجلس كانت فتاة جميلة ذات شعر قصير ناعم أسود  وعينان سوداوتان وبشرة حنطية.

 كانت هذه الفتاة
‏فتاة عادية كأي فتاة لا حول لها ولا قوة
‏قالت لي: أنا  فتاة طموحة ذات أحلام كبيرة وعالية كنت دائما في صغري أتوقع الشيء الكبير لي، لكن الجميع يقول لي: أنه لا يمكنك تحقيق هذه الأحلام.

 كنتُ أقول لهم أن هذه الأحلام ستتحقق يومًا ما حتى لو طال أمرها
‏قلت لها : ستسمعين هذا الكلام لكن من يصر ويجتهد سيحقق هدفه لو مر على هذا الهدف سنين طوال.
 
‏قالت بحزن : لكنني تعبت من كلام الذين من حولي أنني لا أستطيع .

‏قلت لها : ما دام الأمل في نفسك ولو قطرة بسيطة وأنتِ لم تسمعي كلام من حولك ستنجحين.

 وستصبحين الأفضل دائمًا كوني فتاة ذات ثقة بنفسها ولا أحد يستطيع هز هذه الثقة .

‏قالت لي بكل أسف: كلامك كبير علي جدا أنا تعبت ولم أقدر على الاستمرار .

كانت الفتاة يائسة كثيرًا وفاقدة للشغف
‏قلتُ لها : لا يمكنك أن تفعلي في نفسكِ كل هذا قومي واصنعي المستحيل من أجلك أنتِ فقط لا غير.

 اجتهدي وادرسي وحققي أحلامك لأنه في قاعدتي أنا لا يوجد فتيات ضعفاء .

‏ثم أصبحت هذه الفتاه فتاة قوية تجتهد وتعمل ليلا ونهارًا  ولم تقعد وحققت أول حلم لها بنجاحها وتفوقها .

‏ثم رجعت لي تقول: إن هذا ما كان إلا جزءًا من كلامي لها وأن كلامي كان له تأثير عليها بشكل كبير جدًا .

‏ثم أصبحت بعد ذلك فتاه قوية ومجتهدة ومميزة بكل شيء تفعله حتى أصبح الناس يقولون لها : إنك أفضل شخص على الاطلاق بكل شيء تفعلينه حتى لو كان هذا الشيء بسيط لأنه نابع من قلبك شخص عفوي بسيط وطيب .

‏حتى أدركت الفتاه أنها تغيرت وأصبحت فتاة مختلفة عن السابق حتى أصبح الناس الذين يتكلمون عنها أول الأشخاص الذين يبادرون بقولهم لها: أنها أصبحت أفضل من ذي قبل.
 
‏وهذه الفتاة أصبحت ثقتها بنفسها عالية لا تهتم لكلام من حولها إلا إذا كان الكلام يفيدها أصبحت ذات شخصية إيجابية جميلة بشوشة  الكل ينبسط بها وبوجودها .

‏عندما أدركت هذه الفتاه الكلام تأملت من حولها ولم تجد أحد إلا نفسها .

الكاتبة : استبرق ذيب
........................................................................

لقاء بيني وبيني

جلستُ ذات مساءٍ على طاولة التأمل،
أسترجع وجهي القديم بين ملامح الذكرى،
فلمحتُ طيفي القديم يتقدّم نحوي…
طفلةً كنتُها، أو ربما شابةً تشبهني،
تحملُ شيئًا من الخوف، وكثيرًا من الأسئلة.

نظرتُ إليها…
فقالت بصوتٍ خافتٍ يشبه الهمس:
"أهذا هو أنا بعد مضيّ كل تلك السنين؟"
أجبتها بنبرةٍ واثقة:
"نعم، أنا أنتِ حين تعلّمتِ كيف تكونين قوية."

قالت:
"كنتُ أخشى الطريق… أخاف السقوط…
أبكي من الرفض، وأهرب من المواجهة."
قلت:
"ولقد بكيتُ كثيرًا…
لكني حين سقطت، لم أبقَ على الأرض.
قمتُ من بين الرماد،
وأقسمت أن لا يكسِرني شيء بعد اليوم."

سألتني:
"هل حققتِ أحلامي؟"
قلت:
"ما زلتُ أزرعها كلّ يوم…
لكنني صرت أعرف كيف أسقيها بالصبر،
وأحميها من رياح التّردّد."

مدّت يدها لي،
فأمسكتُ بها بقوة…
كأنما أعيد لنفسي جذورها.
قلت لها:
لن أتخلى عنكِ،
فأنتِ البداية،
وأنا الإصرار…
وغدُنا سيكون الحكاية الأجمل بإذن الله.

الكاتبة : آمال الغروف
........................................................................

"أنا بين من كنتُ… ومن أصبحت"

كنتُ قديمًا أبتسم بسهولة،
أثق بسرعة، أفتح قلبي دون تردد،
كأنني خُلقت لأحبّ العالم كله،
دون أن أفهم قسوته.

كنت أرى الخير في كل شيء…
حتى في أولئك الذين جرحوني،
كنت أظن أن النية الطيبة تكفي… وأن الجميع يشبهني.

لكن الزمن غيّرني — أو ربما كشفني.

اليوم…
أنا أكثر صمتًا، أكثر حذرًا،
قلبي لا يُفتح بسهولة، وابتسامتي تحفظ نفسها لمن يستحق.

لكني ما زلت أنا،
بداخلي نفس الطفلة…
لكنها صارت تحتمي أكثر، وتختار أقل، وتثق ببطء.

أنا لست قاسية…
أنا فقط تعلمت ألا أضع قلبي في كل مكان،
وتعلمت أن الطيبة لا تعني أن أسمح للخذلان أن يُقيم داخلي.

ولأني تألمت كثيرًا بصمت،
صرتُ أُقدّر الهدوء،
وأعرف كيف أُخفي ندوبًا لا يراها أحد… لكنها تعلّمني كل يوم من أنا.

أنا لست مثالية، ولست قاسية
لكنني حقيقية بما يكفي،
ولست كما كنت…
لكنني ما زلت أحاول أن أبقى نقيّة… رغم كل ما تغيّر.
وتعلمت أن الطيبة لا تعني أن أسمح للخذلان أن يُقيم داخلي.

وهذا أنا…
أهدأ، أنضج، وربما أجمل،
لأني كبرت دون أن أفقد إنسانيتي.


الكاتبة : روان قداح
........................................................................

ليلة صمت وحديث مع النفس

كيف حالكِ؟
كيف يحتمل قلبكِ كل هذا التقلّب؟ تسقطين، تبكين، ثم تنهضين من جديد وكأنكِ لم تنكشفي ذات ليل.

 تكتبين قصة تكونين فيها البطلة، رغم أن نهايتها موجعة، وأنتِ لا تحبين النهايات الحزينة
تشربين الشاي بصمت، تتركين النافذة مفتوحة، وكأنكِ ما زلتِ تنتظرين أحدًا لن يعود.

الطاولة أمامك ما زالت تحتفظ بأثر دموعك، والكلمات التي كتبتها لم تكن عنه، بل عن ما خلّفه فيكِ
أتعلمين؟

 لم يخذلكِ أحد بقدر ما خذلكِ قلبك الطيب. فتحتِ له العالم، فدخل وترككِ وحيدة. والآن… صرتِ صامتة، بعدما كنتِ لا تتوقفين عن الحديث
لكنكِ تعلمين جيدًا… بعض الوجع لا يُحكى.

كنتِ تتمنين أن تجدين من يسندك كما كنتِ تفعلين مع الجميع، لكن لا أحد فعل
والآن، لا تبكين إلا حين ينام العالم، وتضعين ابتسامة كل صباح وكأن شيئًا لم يكن
أنتِ قوية، أو هكذا تبدين… لكنكِ تعرفين كم أن الداخل هشّ
مررتِ بالكثير، وها أنتِ باقية، واقفة
لأنكِ وحدكِ كنتِ سند نفسك، اليد التي لم تخذلك
وذا كانت أمانيكِ في وادٍ، والظروف في وادٍ… فاقرئي على قلبكِ: *لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا*.

حين تصبحين سعيدة، ناجحة، قوية  سيعودون
لكن حينها، سيكون الوقت قد مضى، والقطار قد غادر فابتسمي، وامضي لا أحد يشبهكِ.
أنتِ من صنعتِ من الوجع قوة.

الكاتبة : إيمان عمر علي
........................................................................

نافذة من الماضي

حين تجلس في مكانك المعتاد وتناظر نافذة الماضي الذي عشته وحدك ومتذكر  القسوة التي عشتها  وتلك التحديات التي عاصرتها هل كنت على قدر من الطاقة لتحمل هذا؟

تعصف ذكريات الماضي  بخيالك الحاضر  جالسًا بصراع هل كنت أنا ذاك القوي ؟ ولماذا لا أقدر على التجاوز الآن!؟...

تعتاد على شيء لحد التعلق مستيقظ من حلم فقدانهُ وعدك ألا تنساه .

باقيًا نقص دائما فيك مهما فعلت وحاولت لن تتجاوز
أنت تعيش بكذبه التجاوز فقط .

ستتحطم وتشعر من حولك أنك بخير وقادر على الإنجاز مهما  حدث راسمًا ابتسامتك وتعيش يومك كالمعتاد وداخلك محترق بصدمه الخذلان.

هنا ..... مهما أنجزت  وحققت ووصلت مهرولًا إلى  ما تريد لن تشعر إلا بالسعادة المزيفة .

لا تعطي من قلبك كثيرًا لأنك أنت من ستخسر المعركة.

 جمّد مشاعرك واجعلها سامية في القمم لا تخوض كثيرًا بأمور الدنيا كن نرجسيًا بعض الشيء و لا تثق إلا  بنفسك لتستمر.

الكاتبة : سلسبيل أحمد
........................................................................

لقاءٌ على هامشِ العمر

جلستُ إلى ظِلّي، حديثًا خفيّا
كأنّي أنا، وكأنّي سوايا

تُقابلني طفلةٌ في العيونِ،
وفي القلبِ بحرٌ، وفي الكفّ رايا

تقولُ: أما كنتِ أنتِ أنا؟
فأهمسُ: كنتِ ارتجافَ البداية

سألتُ التي كنتُ: ما الذكرُ؟ قالتْ:
شظايا الرجاء، وهمسُ النهاية

وكيف كبرتِ؟
سألتُ الجوابَ،
فقالت بصمتٍ: بخُطو الجراحِ،
بملحِ الخطايا

تُحدّقُ فيّ،
كأنّي كتابٌ
تُقلّبُ فيه سطورَ الحكايا

وقالت: أأنتِ التي كنتُ أحلم؟
فقلتُ: بل الحُلمُ صارَ المرايا

أنا من سكنتُ المدى ثمّ عدتُ،
أفتّش عنّي، وأجمعُ شتايا

أنا في حوارِ السنينِ العتيقة
أعانقُ صمتي، وأرجو بقايا

فيا أيّها الوقتُ، لا تَستدرني،
دعيني أُكاشفُ روحيَ آيا

حديثٌ أنا بين "كان" و"ربما"،
وما بيننا: صدقُ سرٍّ، وغايا

الكاتبة:سحر العيسه
........................................................................

في مسائي والعتم ليس كباقي المساءات ،كان السكون يعم المكان ،كأن القمر استضافها في خلوتها والعزلة، سندت رأسها على طرف الكرسي ،وبدأت الأسئلة ...

 من أنت؟!
أنا الصغيرة التي تبدع بكل شيء كما أخبروني ومبدعة

وكيف كنت؟!
القوية ولا يأثر شيء بروحها ولكن الضعف يسكنها أحيانًا وربما أشتاق لصوته ولمساته الحنونة بفقدان حبيبي ووالدي.

وماذا فعلت؟!
فعلت كل شيء عظيم يجعلك فخور بي حفظت نصف المصحف، وأصدرت خمس كتب ، وأتممت تعليمي، ولم أحتاج سوى لحظة واحدة لأرى شعورك بي ،لتجلس بجواري وتخبرني أنني المهرة الأصيلة، أغمضت عيني لأتخيل هذا الشعور،كان هذا رائع جدًا، كما تخيلت وأكثر ، وشعرت بقشعريرة كأنك لمست روحي ،ولكن انتهى هذا الشعور بهدوء ..

ما شعورك وأنتِ تكتبين بكل حب وتُقرأ كتاباتك؟!
شعور الفخر لأن ما أشعر به وأشاركه للأصدقاء يعيشون نفس تفاصيلي ولكن بأشخاص مختلفين
هذه أنا وهذه حروفي المتناثرة هنا وهناك وماهي إلا فضفضة على ورقة بيضاء تلامس أرواحًا تشبه روحي...

الكاتبة : فرح خليل الشوابكة
........................................................................

في هذه الليلة وفي كل ليلة لا أحد يشعر بما يجول بداخلنا، ولا أحد يعلم ما تشتكي منه قلوبنا، لا أحد يعلم ما تتألم منه أرواحنا، ولا أحد يشعر بما نعيشهُ، ولا ما يجعلنا نبكي، لا أحد يعلم كيف هي حياتنا، ولا كيف هي أيامنا.

لقد سرقتنا الأيام، أماتت قلوبنا، لقد ذُبلت أعيُننا من شدة البُكاء، وتعبت أنفسنا من قوة التحمل.
 
لقد مزق التعب منا أرواحنا،
أصبحنا نمضي بلا رُوح،
بلا حماس ولا شغف،
نمضي دون قلب،
نمضي تائهين، مشردين،
مُتألمين، متحسرين،
نود أن ينتهي كُل هذا،
نود أن تنتهي كُل هذه المُعاناة، هذه الآلام والمشاكل، نود أن تستريح قلوبنا ولو قليلًا.

أن تهدأ أنفسنا و أرواحنا، أن نذوق معنى الراحة والسعادة ولو قليلًا، نود مكان يُلملمنا، أو حضنًا يحتوينا، نود قلبًا يفهمنا،، أو رُوحًا تحمينا، أو كتفًا يسندنا.

 نود عوضًا عن كُل ألمًا نود أن نجد ما تتمناه قلوبنا، أو ما تحلم بهِ أنفسنا نود أن تنتهي كُل هذه المُعاناة، وأن نعيش حياتنا كلها وقلوبنا بخير ..

الكاتبة : فاطمه فرج
........................................................................

وبعد هذه المدة الطويلة، وتلك الرحلة الصعبة، لا بدّ أن نجلس بمفردنا قليلاً.
لكن، بالطبع، نحن نعلم أن ليس كل منعطفٍ يستحق الوقوف، وليس علينا أن نلتفت لكل عابر.

في بداية لقائنا، أقدّر جهود نفسي وسعيي المستمر، رغم كل الصعاب والعقبات.

ما الذي يميزكِ؟ وما التحدي الأكبر برأيكِ؟
يجب أن نتيقّن جميعًا أن الصبر شيءٌ صعب، وليس أيّ أحدٍ يمكنه الصمود.

التغيير حلمٌ لا يتحقق باليأس.

الماضي قاسٍ، والحاضرُ تحدٍّ. أيمكنكِ توضيح تجربتكِ؟
لم يرفق بي الماضي، تركني أنتظر طويلاً، تعثّرتُ بالحصى، لكنني لم أرَ منه شفقةً.
لكن الحاضر رقيقٌ جدًا، يُداري قلبي ويُربّت بلطفٍ ليُخفي جراح الصغر.

من هو بطل الماضي؟ وهل ما زال بطل الحاضر؟

قدوتي ورفيق دربي، أبي، من رافقني في كل خطوة، داعمي الأول وبطل روايتي.
وفي الحاضر، بطلي كأبي، رقيق القلب، خفيف الظل.

أَختلفت أحلامك مع الوقت؟ وهل تحققت؟
كنت أطمح للحاضر بقلبٍ فتيّ، لكنّ القلب شاب ولم يصل.

لا أعلم: هل كان الطريق طويلاً؟ أم أن الجسد كان مرهقًا ولم يستطع المُضي؟

رغم كل ذلك، رَضِيَ القلب وجُبِر، سبحانه، حاشاه أن يترك قلبًا يتألم.

الكاتبة : يسرى المساعيد
........................................................................

في ليلةٍ ماطرةٍ موجعة، كنتُ جالسةً على سريري، أتأمّل السماء من نافذة غرفتي...
لكنّ الرؤية في عينيّ كانت تنخفض شيئًا فشيئًا،
بسبب الدموع التي تجمّعت فيهما...
حتى سقطت أول دمعةٍ على وجهي.

مرّ أمامي مشهد حياتي كاملًا،
شعرتُ وكأنّ قلبي يتمزّق من الألم والخذلان،
حتى بدأت عيناي تمطران دموعًا بغزارة،
وكأنهما تتعاونان مع السماء،
لتسقطا سويًا مياهًا مشبعةً بالألم والانكسار...

رأيتُ طفلةً في العاشرة من عمرها تتقدّم نحوي،
جلست أمامي وقالت:
"ما بكِ؟ من الذي أحزنكِ؟ لماذا تبكين؟"

نظرتُ إليها، فرأيتُ وجهي في وجهها،
لكن عينيها كانتا تلمعان ببراءةٍ وحبّ،
على عكس عينيّ اللتين تنزفان ألمًا وخذلانًا.

قلتُ لها:
"سؤالكِ هذا لا جواب له،
فدموعي سببها: ماضيّ، وحاضري، ومستقبلي...
أصدقائي، وعائلتي، ونفسي...
حتى أنتِ، كنتِ سببًا أساسيًا لهذه الدموع."

قالت بنبرةٍ حزينةٍ غاضبة:
"أنا؟! ماذا فعلت؟
ما الخطأ الذي ارتكبته؟
لم أؤذِ أحدًا، أنا نملةٌ لا أستطيع إيذاءها،
فكيف لي أن أؤذيكِ؟!"

أجبتها:
"ذنبكِ أنكِ لا تستطيعين إيذاء أحد.
نقاء قلبكِ في هذا الزمن صار جريمة.
رغم جمال صفاتكِ، تسببتِ لي بالكثير من الألم.
أذيتِ نفسكِ قبلي.
ها أنتِ الآن، كاللوحة النقيّة، بلا خدوش،
لا تعرفين شيئًا عن وحشية البشر وحقدهم،
لا تعرفين كم هو مؤلم أن يُخذَل الإنسان من أقرب الناس إليه،
ولا كم هو موجع أن يجد نفسه وحيدًا، دون سبب.
أرجوكِ... لا تثقي بأحد،
ولا تُقدّمي شيئًا على حساب راحتك."

قالت لي:
"من قال إنكِ وحيدة؟
ها أنا بجانبك، وأحبك.
ولديكِ عائلةٌ جميلة تحبك.
انظري إلى الأمور من زاوية أخرى،
كوني متفائلةً بعض الشيء."

قلتُ:
"أنتِ بجانبي، ولكنكِ ستبقين ماضيًا مهما حدث.
سأتفاءل، لكن...
جروح قلبي، متى ستلتئم؟
هل سأجد بعد كل هذا التعب راحة؟
هل سيطمئن قلبي يومًا ما؟"

قالت:
"ما دمتِ تسعين إلى الأفضل وتحاربين آلامك،
ستنهضين بقوّة،
وستلتئم جروحك،
وسيطمئن قلبكِ بقربكِ من الله."

ثم سألتني:
"هل لا زلتِ تملكين صفاتي؟ أم أنكِ تخلّيتِ عنها؟"

قلتُ:
"قلبي لا يزال نقيًّا، لا يعرف الحقد،
لكنني تعلّمتُ أن آخذ حقي،
وألا أسمح لأحد بإيذائي،
وألا أثق بأي شخص.
تعلّمت أن أكون واقعية، مُحِبّة، معطاءة، لكن بحدود.
قويّة عند الحق، وجريئة في مواقف الجُرأة.
لقد تغيّرت كثيرًا عنكِ...
لكنني لا زلت عالقةً في الماضي."

سكتُّ لبرهة، ثم همستُ لها:
"أتعلمين؟
ظننتُ أن العيب فيكِ، في نقاء قلبكِ،
لكنني اكتشفتُ أنكِ الأجمل، والأرقى، والأعقل.
العيب ليس فيكِ... ولا فيَّ،
العيب في هذا المجتمع المريض، الوحشي، المعقّد.
أنتِ لا ذنب لكِ،
وأنا يجب ألّا أحزن على الماضي.
هناك أحلام تمنّيتِها... تنتظرني، ويجب أن أحققها!"

قالت لي بابتسامة:
"أتمنى أن تحققي حلمي وحلمكِ،
وأتمنى لكِ حياةً سعيدة."

اقتربت منّي، مسحت دموعي، وهمست:
"لا تحزني..."
ثم همّت بالمغادرة.

ناديْتُها، ركضتُ إليها،
اقتربتُ منها، عانقتها...
عناقًا مليئًا بالمحبّة، بالحزن، وبالسعادة.

ابتعدتُ عنها، فرأيتها تمضي خارج الغرفة،
بابتسامتها البريئة المعتادة...

الكاتبة : غنى خيت

........................................................................
"لقاء بيني، وبيني"

المكان: غرفة بيضاء بسيطة، كرسيّان متقابلان، كاميرا تُسجل.
المُقدّم (أنا الحاضر):
مساء الخير، نبدأ حوارًا خاصًا اليوم، ليس مع شخص غريب، بل مع شخصٍ أعرفه أكثر ممّا يجب.
نرحّب بنسختي السّابقة، أنا كما كنت قبل أن أفهم، قبل أن أنكسر، وقبل أن أفيق.
(ينظر إليه) أهلًا بي.

أنا الماضي (يبتسم بتردد):
مساء النور، لم أكن أتوقع أن نلتقي هكذا.

الحاضر:
ولا أنا، لكن يبدو أنّ الوقت حان لنواجه بعضنا، بصراحة.
قل لي، ما الذي كنتَ تظنّه عن الحياة؟

الماضي (يضحك بمرارة):
كنتُ أظنُ أنّ الحب يكفي، وأنّ النيّة الطيّبة تُغني عن الوعي.
كنتُ أظنُّ أنّ الصّبر يعني السّكوت، وأنّ التّضحية فضيلة حتى لو قتلتني.
الحاضر (بهدوء): وما الذي غيّرك؟

الماضي: الخذلان، من الآخرين، ومني.
تعلمتُ أنّ الطّيبة دون حدود تتحوّل إلى نزيف.
وأنّ من لا يصونك بكلمة، لن يحميك بدمعة.

الحاضر: أتذكر كم كنتَ تخاف أن تقول "لا"؟
الماضي (ينكّسُ رأسه): أذكر، كنتُ أظنُّ أنّ الرّفض قسوة، وأنّ المواجهة أنانية.
الحاضر: وأنا الآن أقول لك: الرّفض نجاة، والمواجهة كرامة.
أنتَ مشيتَ على الجمر، وأنا ولدتُ من رمادك.

الماضي (يبتسم بأسى): إذن لم أضع سدى؟
الحاضر (بحسم): أبدًا، كنتَ البداية، وكنتَ الوقود.
لولاك، لما كنتُ أقوى.

الماضي: هل سامحتني؟
الحاضر (بابتسامة دافئة): غفرتُ لك كل شيء، لأنّني صرتُ كلّ ما تمنّيتَ أن تكونه.

(الكاميرا تقترب، النّظرات تلتقي، ينتهي الحوار بصمتٍ مُفعم بالتّصالح).

الكاتبة: ورود نبيل
........................................................................
تدقيق : ريم عبدالكريم قطيفان
تحرير : سارة أحمد المناصير

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.