ديني الجليل
كُتب هذا النص صباح يوم الأحد، الموافق: 13/4/2025
ما أروَعَ ما في ديني الجليل، وألذّ ما يروّي فؤادي العليل، ذلك الإيمان الواثق الراسخ بقضاء الله وقدره، خيرِه المضيء وشرّه الذي ما هو إلا تمهيد لنورٍ عظيم.
نشأتُ مذ كنتُ غضّ الإهاب على سُنة "استفئادة الله رحمة" — تعبيرٌ أزليّ عن طمأنينة الأرواح حين تضيق الأرض بما رحبت، إذ إنّ ربّ السموات قد يغرس فيك سقَمًا لأنه يحبك، ويبتليك جلّ في علاه ليصطفيك من بين خلقه: أتكون من الصابرين فيكون لك خيرًا عظيمًا، أم تكون من الجزعين فتضيع عليك المنحة المستترة في طيّ المحنة؟
إني مؤمن، إيمان الراسخين، بأن عِوَضَ الله إذا جاء، كان جمَالًا يُنسي الألم، ونعيمًا يُغرق الصبر في النسيان. لذا، عند كل وعكةٍ تهبّ على جسدي، أهمس سرًّا: إن كانت هذه سُقامًا يكفّر ذنوبي، فزدني منه يا رب، فإنك إن أوجعت، رحمت، وإن أخذت، أعطيت.
نسير في الحياة ونحن نُخبّ خُطا لا ندري في أي لحظة تُقبض الأرواح، في مشهدٍ طريف يكرّره الزمان، حين نتحلّق حول مائدة الغداء، فيسأل أخي أو أختي: "ماذا سنطبخ غدًا؟"، قبل أن يلامسوا الطعام، فيردّ والدي ببصيرته الموقِنة: "الله يعطينا عمر لبكرا" — وكأنّه يقول: لا قرار قبل القضاء، ولا خطّة قبل القدر.
هناك في غزة... حيث الليل كفنٌ مُحتمل، والصبح نَفَسٌ مؤجّل، ينامون وهم يتوقّعون الموتَ عند أي لحظة... نُمعن جيدًا في كلمة "يتوقّعون".
وهناك في سوريا... حيث ما كان أحدٌ يتوقّع أن أحد عشر يومًا فقط كفيلة بأن تحرّر ما ظنّوه لن يُحرّر، وأن يُبدَّل علمُ البلاد في يومٍ وليلة. تأمل لفظ "لم يتوقعوا"، فكم من بابٍ فتحه الله حين أُوصدت الأبواب.
وأنا، كطالبٍ جامعي، أمشي إلى الامتحان، إمّا أتوقّع أن أنجح، أو أتوقّع أن أرسب. فالتوقّع يبقى هو السلطان. أذهب كل يومٍ إلى الجامعة، وقلبي على يقين بأنني سأحظى بمحاضراتي، لكن إن تأخّر الدكتور ربع ساعة، يبدأ التأويل، ويعلو منطق التوقّع: هذا يقول "لن يأتي"، وآخر يجزم "قد يتأخر، لكنه سيحضر".
فيعود أحدهم لبيته، ويظل الآخر منتظرًا... وسيُثبَت توقّع أحدهم لا محالة، ولكن سيبقى في النهاية توقّعًا، لا يقينًا.
فما كان يقينًا، قد يصرفه الله، وما ظنناه مُبرمًا، قد يُنسَف بأمره جلّ جلاله.
وإنني اليوم، أسيرُ على يقينٍ مطلق، أنّ أمرًا ما سيحدث لي، لا أدري ماهيته، لكنني أمضي بقلبٍ مؤمن بأنه سيحدث، لأنه من عند الله.
ذلك الأمر المنتظر، أراه ابتلاءً، فأقول: مرحبًا بـ"استفئادة الله" التي قيل عنها رحمة، وهي في حقيقتها رحمةٌ مُضمَخة بالمجد.
مرحبًا بأمرٍ عسيرٍ يُعقبه يُسرٌ كريم، كمكافأة على صبري الجميل.
مرحبًا بركن الإيمان المهيب — القدر. فمرحبًا بقدر الله، شرّه قبل خيره، فما كان من الله فهو لصالحنا، وإن جهلنا الحكمة.
اللهم إنّي عبدك المُسلم، كثُرت ذنوبي فغفرتها، ضللت عن صلاتي فرددتني، عصيتك فسترتني، وما أعظم الستر إذا جاء منك.
أهلكت نفسي، وهي وديعة في عُنقي، فسامحتني، وعفوت عني.
سألتك حاجتي، فلبّيت، وها أنا أرجوك في صبري، أن تكون لي كريمًا كما كنت دائمًا.
قلت لك: الحمد لله قبل الرضا، والحمد لله بعد الرضا، والحمد لله عند الرضا، وأُقسم بجلال وجهك، أنّي قد رضيت بكل ما قُسم لي، ومرحبًا بابتلاءٍ من مالك الملك، أصبر عليه، فأفوز به، كما يفوز الأولياء.
14/4/2025
في مساء الإثنين، الرابع عشر من نيسان، طرق البلاء بابي كما توقّعت، بل كما أعددتُ له قلبي، فلم يرتجف لساني، ولم يضطرب فؤادي، بل كان لساني ينطق بثبات العارف:
"الحمد لله قبل الرضا، والحمد لله بعد الرضا، والحمد لله عند الرضا، وأُقسم بجلال وجهك، أنّي قد رضيت بكل ما قُسم لي، ومرحبًا بابتلاءٍ من مالك الملك، أصبر عليه، فأفوز به، كما يفوز الأولياء"
حتى إذا غشيَ عليّ الغياب، ما غاب عني هذا الذكر، ولا ضلّت عن فمي تلك الشهادة، بل كانت تسري في دمي، كما يسري النور في عروق الزهر.
استودعتني يداك، يا أرحم الراحمين، في ظلمات الوجع، فأيقنت أني في كنفك، مهما غبتُ عن العالمين. وشعرتُ — حين حملتني سيارةُ الإسعاف — أن جسدي قد أثقل، ولكنّ روحي قد خفَّت، تسبح في أفقٍ من الرضا الذي يُذيب الألم كما تُذيب الشمسُ جليد الفجر.
وما أجمل أن يُبليك الله وأنت في عزّ طاعتك، فيُطهّرك لا لأنك مذنب، بل لأنك مُختار. وما أروع أن تختلط الدموع بالتكبير، وأن تمتزج أوجاع الجسد بندى الدعاء... فإن البلاء الذي يجرّك إلى أبواب السماء، ليس بلاء، بل اصطفاء.
سأنحت هذا التاريخ في صفحة قلبي: 14/4/2025، لا لأتذكّر الألم، بل لأتذكّر كم كنتُ مؤمنًا، وكم كان الله قريبًا. سأكتبه بين دفّتي دعائي، ليشهد أنني كنت عبدًا، وإن خارت قواي، لم تخُر عقيدتي.
فيا ربّي... كما جعلت وجعي طريقًا إليك، فاجعل عافيتي عودةً أقرب. وكما أنك أحببتني حتى ابتليتني، فأحبني حتى ترضى عني، وتكرمني كما يكرم الوليّ من وليّه.
رباه، إن كنتَ قد كتبت هذا الألم عليّ، فاكتب معه الأجر، واكتب معه الرحمة، واكتب معه مقامًا عندك لا يناله إلا المصطفَون.
اللهم يا من لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اجعل من هذه اللحظة بدايةً للفتح، وانفراجًا لا يعقبه كدر، ويقينًا لا يعلوه شك، وعافيةً تليق بجلال وجهك وتمام لطفك.
صاحبُ الابتلاء: وسام الدين رأفت
تدقيق: شيماء عجم
تحرير: قُنوت العبوسي

تعليقات