في وداع الرّوح ونداء الذّكرى

اليوم أغادر الدّيار... أُغلق الباب خلفي، لكنّ صدى خطواتي يبقى عالقًا في الممرّات، يتردّد في الجدران، في زوايا المكان الذي حفظني يومًا بين ذراعيه. أبيعُ كلّ شيء، وأدفعُ الثمن من عمري، لكن هل يُباع القلب؟ وهل يمكن أن أشتري به طمأنينةً لا تشبه وجوه الراحلين؟ أقف في وسط الغرفة، أُلقي نظرة أخيرة، فتُطوّقني الذكريات. هناك، عند النافذة، ما زالت روحي مُعلّقة، تحدّق في الفراغ بحثًا عن زمنٍ ضاع على الجدران. ما زالت بصماتي شاهدةً أنني كنتُ هنا يومًا، في هذا المكان الذي احتواني بكلّ ما كنتُ عليه. لكن في ركنٍ بعيد، في الظلّ الذي لطالما حاولتُ نسيانه، يتحرّك شيءٌ بداخلي... يقترب مني، يهمس بصوتٍ خافت، كطعنةٍ بطيئة: "لماذا تقاومني وتمنع خروجي؟" أُشيح بوجهي، أشعر بأنفاسي تضيق، بالكاد أجد صوتي لأتمتم: "من أنت؟" يصمت، ثم يبتسم بسخريةٍ أعرفها جيدًا... كأنّه يستهزئ بي، كأنّه يدرك أنّي أهربُ منه، لكنّه سيبقى في داخلي مهما حاولتُ الفرار. إنّه الخوف... إنّه الشّوق الذي لا ينطفئ، إنّه الفقد الذي يرفض أن يرحل. إنّه الجزء الذي ظننته سيبقى هنا، لكنه يتشبّث بي أكثر، يتبعني حيثما أذهب. اليوم أغادر، لكنّ شيئًا منّي سيبقى هنا... وشيئًا من هنا سيظلّ يلاحقني، يهمس في كلّ ليلة: "لماذا تركتني؟" لـ نانسي بلال السيوري تدقيق: ريم عبد الكريم تحرير: قُنوت العبوسي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.