مرضى نفسيّين
في كلّ مرّةٍ تهمسين فيها باسمي، أتوقّف للحظاتِ شرودٍ أحكمتْ سيطرتها على تركيزي، أتلهّف لمحادثتك، أُنصت بإمعانٍ لكلّ حرفٍ تُطلقين سراحه، ثمّ أجدك تُطلقين سيلَ أحاديثكِ حول أشخاصٍ آخرين: إحدى قريباتكِ الّتي أدهشتكِ بفستانها الّذي ارتدته في آخر مناسبةٍ اجتماعيّةٍ؛ لأنّه تمّ تجهيزه بأناملِ مصمّمٍ سعيتِ باستماتةٍ للحصول على توقيعه، أو حوارٌ دار بينكِ وبين صديقتكِ – الطّبقة المخمليّة المساهمةِ في تبرّعات الجامعيّة – حول طبيعةِ الحمية الغذائيّة الّتي تتّبعها؛ لتحافظ على رشاقتها، قد تكون قصّةً حدثتْ مع أشخاصٍ فارقوا الحياة..!
منذ أمدٍ طويلٍ داومتُ على إغداقكِ بجرعاتِ المسايرة حتّى طفح الكيل، أمّا الآن فأتمنّى منكِ أن تجيبيني: أين أنا من بين كلّ تلك الشّخصيّات..؟! لِمَ لا تشملني أحاديثكِ؟ تضطرم في خافقي نيرانُ غيرةٍ مستعرةٍ من أولئك الأشخاص، منذ فترةٍ قصيرةٍ غيّرتُ من طريقةِ تعاملي معكِ، ألتزمُ الصّمتَ عندما يتطلّب منّي الموقفُ إجاباتٍ شافياتٍ على حُزَمِ أسئلتكِ، غدوتُ أُكثر من مجالسةِ هاتفي باعتباره صديقي الجديد، أُكثر من اختلاق الأعذارِ الواهية؛ بدافعِ التّنصّل من مسؤوليّة القيام بواجبي تجاهكِ، أعتذرُ لكنّكِ من جعلتِني أتشرّب مثلَ هذه الخصالِ الرّديئة، في بعضِ الأوقات أنزوي في ركنٍ بعيدٍ عن أنظاركِ، أجهشُ بالبكاءِ مرغمةً، جلدُ الذّاتِ جاثمًا على خافقي؛ لكي يستلذّ بتهشيمِ بقايا سكينتي، لا أعرفُ كيف العودةُ لجادّةِ الصّواب..! كيف لي إزالةُ الأعشاشِ المدسوسةِ فوق بقاياي الضّائعة؛ لأتعرّفَ على ذاتي العتيقةِ اللّينةِ الّتي أفقدتِني إيّاها؛ بتهميشكِ لوجودي كما لو كنتُ مجرّدَ اسمٍ لأحد العابرين في سطورِ حياتكِ..؟!
(كُلٌّ مِنّا مريضٌ نفسيّ، لکـن بطريـقته) عندما تهمسين باسمي أفكّر بكمّ المرّات الّتي تمنّيتُ فيها بأن تسأليني عن حالي، إن كنتُ مبتهجةً أم مكتئبةً؟ ما هي مخطّطاتي المستقبليّة لحياتي؟ كيف أمضي وقتَ فراغي؟ وأنا بدوري سأسألكِ: ما رأيكِ بقضاءِ وقتِ فراغي الطّويل معكِ؟!
لديّ بحرُ ساعاتٍ زاخرٌ باللّا شيء، زاخرٌ بصحبةِ غرباءَ أتواصل معهم؛ لظنّي بأنّهم يستوعبون أحاسيسي وأفكاري، أودّ قتلَ المللِ عبر البقاءِ معكِ بمنأى عنهم، لا، هذه أنانيّةٌ منّي، لكنّكِ دفعتِني لأكون معتازةً لعواطفكِ، رغم أنّنا نعيشُ حياةً مترفةً، إلّا أنّكِ تعانين من شحٍّ في المشاعر؛ ممّا يُحفّزني لتصويبِ سهامِ الاتّهام باتجاهِ كلتينا؛ إذ إنّ كلتينا ساهمتْ في ولادةِ هذه الفوضى، كنتُ صغيرةً عندما داومتُ على إغداقكِ بجرعاتِ المسايرة، حتى نضجتُ؛ فصفعني الواقعُ على خيبةِ أملٍ وبأنّ الحياةَ الطّبيعيّةَ بين الأفرادِ: لا ينبغي لها أن تكون بهذه الهيئةِ المزيّفة كالأزهارِ الاصطناعيّةِ، من الخارج تسرّ من رآها، أمّا من الداخلِ فهي خاويةٌ، لا تستهويني الشّكليّاتُ في العلاقاتِ؛ فهي تشحذُ القلوبَ لزيادةِ المسافاتِ فيما بينها، يُمزّقني هذا الخواءُ، يُمزّقني وجودُ مسافةِ أمانٍ فيما بيننا، تحجبكِ عن التّبصّر بما يعتريني من مشاعرَ قد تودي بي نحو الهلاك، يستبدّ بي الخوفُ من إقدامي على خطواتٍ قد أندم عليها.
عندما أتواصل مع أحد الغرباء أتجاوز معهم المسافاتِ؛ بالتّالي أتناسى وجودكِ، ويكأنّني قطعتُ حبلَ المشيمةِ الّذي كان يربطني بكِ، مذ قصّتْه الممرّضةُ، أشعر بأنّها قصّتْ حبلَ الرّابطةِ بين قلبينا؛ فانفصلنا جسدًا وروحًا.
- الكاتبة: ميساء بسام
- تدقيق الكاتبة المحامية : شهد صقر القواسمي
تحرير : سوسن عمر ابو جابر

تعليقات