أشباح الماضي

كلّ شيء من حولي يفتح أبواب الماضي،الموسيقى ليست مجرد ألحان، بل صوتٌ بعيد ينبضُ في الفراغ، يحملني إلى لحظةٍ ظننتُها طُويت منذ زمن. رائحة العطر العالقة في الهواء ليست إلّا همسَ ذكرى، تطرقُ نافذة قلبي برفقٍ مؤلم. الليل بصمته المخادع، ليس هدوءًا كما يظنّه الآخرون، بل خشبة مسرح تتراقص عليها الأشباح، تهمسُ بأصواتٍ أعرفها جيدًا. أحاول إغلاق الباب، أتشبثُ بالحاضر، لكنّ الذكريات متطلبةٌ، عنيدةٌ، تحاصرني بين جدرانها. أعلم أن بعض الأبواب إن فُتحت، لا تُغلق بسهولة، وأن بعض الوجوه إن استُدعيت، لا تعود للنسيان سريعًا. كلّ ظلٍّ في زوايا الغرفة يحمل ملامح ماضٍ حاولتُ دفنه، لكن يبدو أن الماضي لا يُدفن، بل يتقن الاختباء، متربصًا بلحظة ضعف. أتجاهل الأصوات، أتظاهر أنني لا أسمع لكن الأشباح لا تحتاجُ إلى آذانٍ كي تصل. تتجسد في الأشياء الصغيرة، في كوب قهوة على الطاولة، في ارتعاشة يدٍ عند فتح درج الذكريات، في ارتداد الصوت بين الجدران الفارغة. يُخيل إليّ أنني أسمع وقع خطواتٍ خلفي، أغمضُ عيني، أتمتمُ لنفسي: "لا شيء هناك... لا شيء هناك..." لكنني أعلم أن هناك شيئًا، هناك دائمًا شيءٌ خلفي، يحاول أن يسحبني للوراء. بيني وبين الاستسلام شعرة، بيني وبين أن أفتح الباب صدعٌ يتّسع ببطء، لكنني أقاوم. أقاوم لأنني أستحق أن أكون هنا، لأنني لستُ مجرد امتدادٍ لذكرياتٍ تأبى أن تموت. أُشعل النور، وأراقب الأشباح وهي تتلاشى... على الأقل، حتى يأتي الليل من جديد ، و يسطعَ النور و تطفئ شموع الليل بعيدًا عن تلك الأشباح . الكاتبة أ. شهد صقر القواسمي تدقيق: ريم عبد الكريم تحرير:قُنوت العبوسي

تعليقات

‏قال غير معرف…
رائعة
‏قال غير معرف…
أتمنى ان نقرأ كتابكِ الأول

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.