في عينيه متّسعٌ للفقدِ، وللنسيانِ، وللحبِّ إن قرّر أن يكون وطنًا

لا تسألني عن لونهما، ففي كلِّ لحظةٍ يتغيّران، لكنَّ يقيني أنَّ بهما لونًا يشبه لحظة الغرق الأولى، تلك التي لا تخيف، بل تدعوك أن تستسلم. عيونك ليست خضراء فقط… بل خضراء حين تشتاق، رمادية حين تصمت، زيتونية حين تغضب، فضيّة حين تفكر، وشروقٌ كامل حين تبتسم. يا صاحب العينين اللتين تملكان من الغموض ما يكفي لتضليل نجم، حين تنظر إليّ، لا أعرف إن كنت تحبني… أم تقرأني… أم تحفظني بين رمشيك. يا صاحب العينين اللتين تكتبان الشعر دون حبر، كل رمشٍ فيك هو بيتٌ غزليّ، وكل نظرة… قصيدةٌ كاملة لا تُتلى إلا على قلبي وحده. يا صاحب العينين اللتين، إن نظرتُ فيهما، شعرتُ أن الأرض تدور فقط لتصل إليك، وأن الوقتَ ليس له معنى… إلا حين تغمض عينيك، وتفتحهما من جديد. كأنّ الله خلقك فجعل في عينيك كلّ ما افتقده العاشقون. يا صاحب العينين اللتين تغيّران فصول العام في رمشة، ففيك شتاءٌ يتدلّى من الرّموش، وصيفٌ يشتعل تحت الحاجب، وربيعٌ يتفتّح في بؤبؤك حين تضحك، وإن غضبت؟ كأنًّ غابة زيتون اشتعلت دون نار، دون صوت، فقط بنظرة. يا صاحب العينين اللتين، إن حلّت عليهما عتمة خفيفة، إن انسحبَ النهارُ قليلًا من المَشهد؛ تحوّلا إلى فضّتينِ سائحتين، إلى موجٍ يرتجف في عيون البحر، بل صارتا مرآة للكون… صارتا ليلًا مرصّعًا بالأجوبة التي لا تُقال، كأنّي حين أحدّق فيهما، أسمع قصيدةً قديمةً نُسيت على صفحة ماء، وكأنّ داخلهما يعيش وطنٌ لا يراه غيري. يا صاحب العينين اللتين، إن مسّهما ضوء الفجر، صار فيهما مطرٌ، وندى، وصلاة. كأنّك وُلدت على حافة فجر زمرديّ، تهمس فيه النسائم قبل أن تصحو الطيور. وفي لحظات الصّفاء… في تلك اللحظة التي يهدأ كل شيء، ويُسدل الزمان ستار صمته، تصبح عيناك مرسى… تصبحان بيتًا… مكانًا أخلع فيه قلقي، وأتوضأ بالحُب. يا صاحب العينين اللتين لا أملك وصفًا لهما، لكنّي أملك يقينًا: أنّي إن نظرتُ إليك طويلاً، لن أعود كما كنت. ولا أريد أن أعود. الكاتبة: قُنوت العبوسي تدقيق: شيماء عجم تحرير: قُنوت العبوسي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.