عتمة الذاكرة
يُقال إن دأبَ الإنسان أن يألف الألم كما يألف الزهر ملامسة الريح، لكن الحقيقة المُرة أن الإنسان لا يُولد إلا ليعتاد.
يعتاد الخذلان حتى يغدو الطعن عادةً تتقبلها جوانحه بصمت النائحين، فلا يجزع لسكينٍ جديدةٍ تنغرس بين أضلاعه، ولا يئن لصدى الخيانة حين يهدر في أعماقه كهدير العاصفة العمياء.
يعتاد الألم حتى يصبح الوجع نديمه الذي يسامره في الليالي الطوال، يؤانسه إذا جفاه الرقاد، ويواسيه إذا أعرضت عنه الدنيا بقسوتها المستعرة.
يعتاد أن تُسرق أحلامه كما تُسرق السنابل في موسم الجدب، يرى بذور آماله تنسلُّ من بين يديه كما ينفلت الماء من قبضة العطشان، ويقف مذهولًا، عاجزًا، كأن الزمن قد خانه، وكأن الحياة قد حنثت بوعدها المقدس.
يعتاد أن يرى أكثر الوجوه حبًا لقلبه تمضي بعيدًا عنه، تكبر خارج مداراته، ويُشاهدهم من علاً كالنجم الخافت، يبتعد شيئًا فشيئًا عن سماء روحه حتى يغدو أثرًا بعيدًا لا تطاله يداه، ولا تصله دعواته الدافئة.
يعتاد أن يمضي العمر بين أطلال الأمنيات المهدورة، يسير وحيدًا تحت أعمدة الانتظار المنكسر، يستند على ذكرياته كما يستند الجريح على رمحه المهشم.
ومع كل اعتياد، يغرس في صدره زهرةً من مرارة لا تذبل، وعبر كل خذلان، يخُط في قلبه نقشًا من وجعٍ لا يُمحى.
يتآلف مع الكسر، ويتصالح مع الفقد، ويتعايش مع الخسارة، حتى تُصبح تلك الأحزان أوتارًا خفية تعزف عليها روحه لحن البقاء.
ومع ذلك كله، ورغم ما يحمله قلبه من طبقات الصبر المتراكم، إلا أن في قاع فؤاده قبسًا خفيًا يأبى الانطفاء؛ شعلة صغيرة، عنيدة، ترفض أن تُبتلع في ظلمة النسيان.
فالإنسان، مهما تدجنت نفسه تحت سياط الاعتياد،
ومهما ظن أنه قد أوغل في التبلد،
ومهما حسب أن الجراح قد غلفت مشاعره بطبقةٍ من صقيع،
فإنه — عند أول نسمة ذكرى، أو أول خفقة فقدٍ — يدرك أن الذاكرة لا تُملى عليها القوانين، وأن القلب لا يُخضع للعرف.
يعتاد... لكنه لا ينسى.
• الكاتب : صلاح الدين العفيف
..............................................................................
"حين يأتي الغد"
وغدًا نشفى، أو نظنُّ أننا شُفينا، نحمل جراحنا تحت جلودٍ جديدةٍ ونمضي.
وغدًا ننسى، ننسى وجوهًا، وأحاديثَ، ومواعيدَ صدّقناها يومًا حتّى النُّخاع.
وغدًا نلهو، نرقص فوق أطلال الأمس، نضحكُ عاليًا كي لا يَسمع أحدٌ بكاء أرواحنا.
وغدًا نُدرك، نُدرك أنّ كلّ شيء يرحل، أنّ القبض على اللّحظة كمن يقبض على الرّيح.
لا شيء يبقى، لا ضحكةٌ، لا دمعةٌ، لا وعدٌ، ولا حتى النّدم.
نحنُ أبناءُ العابر، عابروا الأماكن، عابروا القلوب.
نلمعُ للّحظة، ثم نخفِت، نعدوا نحوّ أحلامٍ تتبخر قبل أن تكتمل قبضتُنا عليها.
لكن، رغم كلّ هذا، نحبُّ، ونحلُم، ونؤمن؛ كأنّنا لا نعرفُ النّهاية.
نكتبُ أسماءنا فوق رمالٍ نعلم أنّ الموج سيبتلِعُها.
نحفُرُ قلوبنا في قلوب الآخرين، ثمّ نتفاجأ حين يغادرون.
وغدًا، نكفُّ عن السّؤال لماذا؟، ونكتفي بالابتسامة للمرّة الأخيرة.
غدًا نكبُر، لا بالسّن فقط، بل بالخسارات التي علّمتنا أن نبتسم بألم.
ونعيش، لا كما حلمنا، بل كما قُدّر لنا أن نكون.
نصيرُ حكايةً على شفاه من سيأتون بعدنا.
ونرحل، ولا يبقى سوى الأثر الخافت الذي لم نُخطط له.
الكاتبة: ورود نبيل.
..............................................................................
"غدٌ يتكلم بصمت"
وغداً نشفى...
نشعر بأيدينا تتلمس الندوب كأنها لم تكن يوماً جراحاً دامية.
نضحك بلا سبب واضح، ونمشي بخفة فوق أرضٍ كانت بالأمس تغص تحت خطانا بثقل الألم.
نشفى حين نتوقف عن السؤال، حين نكفّ عن النبش في الرماد.
وغداً ننسى...
تبهت الملامح في ذاكرتنا، تتلاشى الكلمات، وتُمحى التفاصيل، ويصبح ما كان يؤلمنا صفحة مطوية في كتابٍ عتيق، لا نعود نعرف: هل عشناه حقاً؟ أم كان حلماً أرقنا ليلاً طويلاً؟
وغداً نلهو...
نلوّن أيامنا بأحاديث عابرة، نخفي ابتسامة غامضة خلف فنجان قهوة، ننظر إلى الحياة وكأننا نراها لأول مرة، نهرب من عمق الأشياء إلى سطحها الهادئ، فقط لنعيش، دون أن نُثقل الروح بما لا طاقة لها على حمله.
وغداً ندرك...
أن كل شيء كان مؤقتاً..
وأن الألم، والفرح، والانتظار، والخذلان،
كلها جائت وعبرت ولم تبق.
ندرك أن الأيام تذوب في بعضها، كما يذوب الحبر في الماء، وأننا نحن، بضحكاتنا ودموعنا، لسنا سوى نقطة صغيرة
في نهرٍ لا يتوقف عن الجريان.
وغداً...
نتعلم أن نودع بصمت، أن نحب بلا تملك،
أن نحلم بلا خوف،وأن نمضي...
دون أن نلتفت كثيراً.
الكاتبة: دينا فراس ابورمان
..............................................................................
وغدًا نشفى
ذهبت للمقابلة دون التّفكير بأيّ شخصٍ سواك، إستقبلني مدير الموارد البشريّة بعد أن عرض عليّ ارتشاف فنجان قهوةٍ عربيّةٍ، كان فنجاني ساخنًا، بدا لي أنّه تمّ تحضيره خصيصًا لأجلي؛ لأنّني شعرت بنفسي كمغتربةً عادت لأحضان وطنها، مستشعرةً نكهة كرم الضّيافة عبر رائحة الهال العبقة في أرجاء المكتب، ارتشفته على عجلٍ؛ بفعل التّوتّر.. لمَ؟ لأنّي تأخّرت في الوصول، ويتوجّب عليّ الادّعاء بأنّي من ذات المدينة حيث مكان الوظيفة الّتي أتقدّم إليها الآن، ستقول عنّي كاذبةً، لا أكترث؛ فلقد سبق لي وعرفت إنسانًا كاذبًا، تعلمُ من المقصود بكلامي..!
- شرع المدير يسألني: ما السّبب الّذي جعلك تتقدّمين للعمل في شركتنا لهذه الوظيفة تحديدًا؟
كنت شاردةً كأنّني في مكانٍ وزمانٍ آخرين، شردت في الذّكريات، ثمّ أفقت من شرودي، وعرضت عليه الإجابة النّمطيّة بحسب ما قرأته في ذلك المقال المتعلّق بمقابلات العمل؛ لهذا تحصّلت على الإجابات النّموذجيّة، أثناء إجابتي شردت بك وبأنّ السّبب الحقيقيّ يعود إليك، أبحث عن عملٍ مناسبٍ؛ لأنساك ثمّ أتجاوز مشاعر التّعلّق الّتي لا فكاك منها، كما لو كنت في البيداء فغافلتني أفعى سامّةٌ انتشر سمّها شيئًا فشيئًا، وأنا أتلوّى من الألم دون الحصول على التّرياق، كانت الوظيفة بمثابة ترياقٍ يشفيني من لسعات التّعلّق المميتة؛ لكي أسمع نبضاتي تهمس: وغدًا نشفى.
الكاتبة : ميساء بسام 🦋
..............................................................................
لا تتعلم حتى تُجرح
عزيزي القارئ كن متيقناً، ليس كل من يدخل حياتك سوف يدوم ويبقى ويزهرها من جديد، هناك من يدخلها يحفر في ذاكرتك درساً من الصعب نسيانه، وهناك من يغادر وقت التعلق بهِ، وهناك من يبحث عن مصلحته.
الحياة كفيلة بإعادة ترتيب الأشخاص بحياتك، ربما الظروف القاسية هي التي توقظك من سباتك، وربما صفعة لم تكن بالحسبان.
إن أردت العيش عزيزي، فجعل كل من هم بحياتك قطاراً وليس محطة، أنت لستَ وحدك من تُخذل، لكن كن على حذر، ولتتحكم بقلبك، واجعل الفكر بعقلك فقط، ليس كل قطار توقف يجب أن تتعايش معه، أنتظر قليلاً لتجد القطار الأنسب، فأنت خلقت للعيش لا للتعايش.
ارتسم الضحكة على ملامحك وإن كُنت تغرق بالدموع، لم يخلق اليوم لتعيش حزن الأمس.
الكاتبة : سلسبيل أحمد
..............................................................................
أيةُ مرحلة ستأتي غداً؟
وغدًا نشفى…
لأن القلب مهما أثقله الحزن، يعرف كيف يعود لينبض خفيفًا.
وغدًا ننسى…
ليس لأننا أقوياء جدًا، بل لأن الذاكرة تتعب مثلنا، وتختار أن تترك ما يؤلمها.
وغدًا نلهو…
نلهو كما لو أننا لم نتعلم الحذر، وكأننا لم ننكسر ألف مرة قبل ذلك.
وغدًا، نمسح الغبار عن خطواتنا،
نضحك بملء القلب،
نرفع رؤوسنا في وجه الأيام،
ولا نلتفت خلفنا.
غدًا… نكون أجمل مما ظنّونا، وأقوى مما أردنا.
الكاتبة : جينيا مناع
..............................................................................
بقايا
يقولون غداً نشفى، و ينسون أن في هذه الحياة يوجد جراحٌ لا تتخثر دماؤها، تقضي حياتها بأكملها تبحث عن الضماد في من تقابله.
يقولون غداً ننسى، و لا يتذكرون أن من يسكن الروح كيف القلب ينساه؟
يقولون غدا نلهو، و يتغافلون أن هناك أيام لا يغفل البال عنها، و دموعٌ تساوي عمراً، و نظراتٌ تختصر الكثير، تبقى عالقة في زوايانا لا تعرف السكون،
يقولون غداً ندرك أن لا شيء يبقى، لكن ثمة أماكن لا نغادرها مهما ابتعدنا، و أناس لا نودعهم مهما ابتعدت المسافات.
و على رف هذه الحياة، ثمة كلمات لا تموت، تعيش بداخلنا سنوات و سنوات.
الكاتبة : يمنى عمر الحوراني
..............................................................................
تم التدقيق بواسطة: راما الحبش
تم التحرير بواسطة: سوسن عمر ابو جابر

تعليقات