"نحن نُزهر مع من يفهمنا ويتفهمنا."

"التضحية الكبرى" في وسط ربيع قلبي، وربيع نفسي، وربيع عمري، لم أكن أدرك ما سبب ذاك الازدهار وذاك الربيع الرائع المتفتح إلا حين أن رأيت والدي منهكًا ومتعبًا. وذهب الربيع منه لأنه أهداني جميع زهور شبابه وطاقته وصحته ولم يترك لنفسه زهرة واحدة بل اكتفى بمنحي جميع الزهرات الجميلات لأستطيع إكمال عمري وأحلامي بكل حب وسعادة. فكم أنت شخص عظيم يا أبي لمنحي عمرك وطاقتك وصحتك في سبيل سعادتي أحبك أكثر من أي شخص في هذه الأرض وكلي ثقة تامة بأنه لن يمنحني أحد ربع ما منحتني يا عظيم الشأن والروح . فإنني والله أحبك فوق حب المحبين لك حبًا. الكاتبة: رهف وسيم رمانة ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "وهمٌ مُشتهى" يا زمنًا لم يُنصفني، ويا دهرًا نفض يديه عن قلبي، يا عشقًا لم يأتِ، ويا وعدًا تأخّر حتى كاد الحنين يهترئ… كنتُ رجلًا لا يُشبه الرجال، لا من حجرٍ ولا من لحمٍ، بل من صمتٍ كثيفٍ تشكّل على هيئة بشر. هيئتي جذعٌ شائخ، ملامحي مأوى للعتمة، وصوتي… آهٍ من صوتي، ما عاد يُجيد سوى الزفير البطيء، زفير من عاش دهورًا تحت رماد الانتظار. كنتُ أُصلّي إليها… إلى طيفٍ ما رآه الناس، إلى امرأةٍ ما زُرعت في أرضي، بل نبتت في روحي. كنتُ أكتبها في عتمتي، وأُسقي اسمها من دمعٍ لا يراه سواي. كأنني أُعِدُّ قلبي لبُعثٍ ما، لربيعٍ أجهله، لكلمةٍ واحدة منها… تُعيدني إنسانًا. وفي غفلةٍ من الزمن، في أرضٍ أجدبها اليأس، وفي حقولٍ نبت فيها الوجع بدل الورد، أقبلتْ. جاءت، كما لو أن الكونَ خجلَ من خوائي فبعثها، جاءتْ على هيئة صلاةٍ مستجابة، ثوبُها ناصع كالرُّقيّة، وجبينُها هالةٌ من نور، وعيناها… عيناها كأنهما غفرانان متقابلان. تقدّمتْ نحوي، وانحنى الزهرُ لخطواتها كما تنحني الأرض لقطرة مطر، كلُّ شيءٍ في الطبيعة سكن، حتى النحل كفّ عن طنينه، والرياحُ غطّت وجوهها لتمنحنا السكينة. لم تكلّمني، ولم أنطق، لكن حين رفعت يدها، حين لامست جبهتي بكفها الأبيض الناعم، شعرتُ أنّي وُلدت من جديد. ذاك الجفاف داخلي… ذاك السكون القديم… كلّه انكسر كقشرة بيضة خرج منها طائرٌ حر. أحسستُ أنني أتنفّس للمرة الأولى، أن قلبي، الذي ظننتُه مات، عاد ينبض كطبول الفرح. أردتُ أن أضمّها… أن أقول لها: "لماذا تأخّرتِ؟ أما علمتِ أني كنت أُطفئ شموعي بالدمع؟ أنّي كنت أُحدّث صورتك في المرايا؟ أنّي كنتُ أخاف أن أنساكِ قبل أن ألقاكِ؟" لكنّي صمتّ، فهيهات أن يُقال الكلام أمام من حضر من الغيب. كنتُ مخلوقًا من أغصانٍ ميّتة، لكنها لم تُبصر قبح ذلك، رأت فيّ مَن كنتُ، لا ما صِرت، رأتني بعيني الحب، لا بعين الحقيقة. وللحظةٍ ظننتُ أني سأبقى معها، أنها جاءت لتحملني من الوحشة إلى النعيم، أن يديها ستنبتان فيّ الورد، أن صوتها سيكون نشيدي اليومي، أن الحب انتصر. لكن... استفقتُ. فإذا بي واقفٌ في حقلٍ صامت، لا امرأة، لا زهر، ولا يدٌ تُلامسني. كلّ ما سبق… محض خيالٍ زرعته في ضلوعي، خرافةٌ عذبةٌ رويتها لنفسي، كي أعيش بها بعض الحياة. ما كانت تلك إلا رؤيا، نسجها وجعي، وحبري، وانتظاري الطويل، لكن، يا لجمالها من رؤيا! كم كنتُ أرجو أن تكون واقعًا، كم كنتُ أرتضي أن أدفع عمري كله… مقابل لحظةٍ من لمستها. فهل للخيال قلب؟ وهل للحنين أجنحة؟ وهل للأمل أن يعود يومًا… في هيئة امرأة، تُعيد لرجلٍ ذابَ في الغياب... اسمه؟ الكاتب: صلاح الدين العفيف ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "غائبي الحاضر بقلبي" يا من تركت القلب يئن وجعًا ورحلت عنا والعين تدمع حزنًا عمي، أين دفء صوتك الحنون؟ وأين دفء حضنك الذي كان موطنًا؟ غيابك أطفأ شموع الفرح فينا والذكريات باتت تنوح أنينًا كنت السند، كنت الجدار المتين وبغيابك، تهدمت أركان المدينة لا زلت أذكر ملامح وجهك النديّ وكأنك حاضر رغم البعد الأبدي فقيدي ، رحلت وتركتني أكتب بحبر الألم وأردد اسمك في كل حلمٍ ومأتم يا روحًا لا تغيب عن الذاكرة يا نجمًا في سماء الذكريات باقٍ أدعوك في صلاتي، وفي كل مساءٍ عسى الله يجمعنا في جنة الخلد . الكاتبة: روان قداح ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "رياح النّضوج" اليوم أفقت وأنا أتذكّركِ، بدا الأمر كما لو كان حلمًا، تتأرجح العبرات من مقلتيّ لكنّني لن أسمح لها بالسّقوط. اعتقدت بأنّ الظّروف الشّاقّة هي المسؤولة عن عدم التحام السّكّة بين سبيليْنا؛ فما أكملنا رحلتنا نحو المحطّة ذاتها. كان لقاؤنا جافًّا كأوراق الخريف، يومًا عاديًّا ككلّ الأيّام، قلبي تعلّق بك كنقطةٍ فارغةٍ على السّطر لا ترمز إلى حرفٍ ما، ثمّ تقابلنا فبدأت حروف البوح تقصّ شباك العنكبوت عن ضيق صدري. أنشأت أحفظ كلّ كلمةٍ نطقتِ بها مستمتعًا بالإنصات إلى رنين صوتك كأنغام قيثارةٍ، أكاد لا أصدّق..! ما زلتِ تحتفظين بخفّة ظلٍّ تدفعني نحو الوقوع في موجات ضحكٍ هستيريّةٍ دون انقطاعٍ، رغم كلّ هذا لكنّني لم ألقَ منكِ عناقًا حارًّا يطفئ لهيب تحنّاني إثر غيابٍ طال لسنواتٍ، أنّى لي التّمسّك بك بعدما لاقيته من فتور مشاعرك؟! أهذا ما يسمّونه بالنّضوج..؟! أرغب بأن أعود طفلًا صغيرًا؛ لأحظى بصحبة صديقتي كما هي قبل أن تباغتها رياح النّضوج العاتية، عندئذٍ لن تداهمك مشاغل الحياة فتسرقك منّي، ولن ترتسم على ثغري شبه ابتسامةٍ، فتحوّلني إلى عودٍ يابسٍ متآكلٍ بوقود اليأس والاشتياق إلى أيّامٍ لم يُكتب لها العودة البتة. الكاتبة: ميساء بسام ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ " وَجَعِيَ المُـمَزَّقُ فِي قَلْبٍ لا يُرَدُّ" يَا لَيْتَ الدَّهْرَ مَا أَلْقَانِي عَلَيْهِ، وَلَا سَقَانِي مِنْهُ شَرْبَةَ الْوَهْمِ،عَشِقْتُهُ حَتَّى ظَنَّ الْفُؤَادُ أَنَّهُ مَنْفَايَ،وَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ قَلْبِي كَمَا تُلْقَى السُّيُوفُ فِي سَاحَةِ الْغُزَاةِ! بَنَيْتُ لَهُ بِقَلْبِي قَصْرًا،وَكُنْتُ لَهُ ظِلًّا إِذَا لَفَحَهُ الْهَجِيرُ،أَهْدَيْتُهُ مِنِّي النَّبْضَ،فَمَا عَادَ يَنْبِضُ لِحُضُورِي،وَلَا يَرْتَجِفُ لِوَجَعِي، كَانَ إِذَا نَطَقَ سَكَتَتِ الْأَوْجَاعُ فِي جَوْفِي،وَالْيَوْمَ نُطْقِي لَا يُحَرِّكُ فِيهِ سَاكِنًا،سُكُوتِي لَا يُقْلِقُهُ،وَإِنْ مُتُّ، رُبَّمَا يَغْفُو قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ:هَلْ ضَجَّ التُّرَابُ بِوَجَعِهَا؟ أَيُّ قَلْبٍ هَذَا؟! أَتَرَاهُ كَانَ يَضْحَكُ حِينَ كُنْتُ أَبْكِي شَوْقًا؟ أَمْ تَرَاهُ يَعْلُو ضِحْكُهُ عَلَى قِمَمِ لَا مُبَالَاتِهِ؟! بَيْنَمَا أَنْحَدِرُ أَنَا مِنْ جَبَلِ الِاهْتِمَامِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ أَضْلُعِي! مَا أَمَرَّ أَنْ تُحِبَّ، وَمَا أَشَدَّ أَنْ يُحِبَّكَ الْآخَرُ لِلَحْظَةٍ،ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَيْكَ كَمَا تُنْظَرُ إِلَى غَرِيبٍ أَضَاعَ الطَّرِيقَ،كُنْتُ قُرْبَهُ سِرًّا،وَالْيَوْمَ أَنَا عِنْدَهُ خَطَأٌ يُرَادُ تَصْحِيحُهُ! أَهْدَيْتُهُ مَشَاعِرِي،وَمَا كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَّا أَنْ يُهْدِيَ لِي حُضُورَهُ،لَكِنَّهُ أَخَذَ قَلْبِي،وَتَرَكَنِي أَمُوتُ عَلَى بَابِهِ،بِبُطْءٍ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمُجْرِمِينَ. اسْمَعْنِي جَيِّدًا… إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنِّي سَأَظَلُّ أَبْكِي فِي غِيَابِكَ، فَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ مَا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ الْمَذْبُوحَةُ بِالصَّمْتِ! سَتَعُودُ… يَوْمًا مَا، سَتَجِدُ كُلَّ الْأَبْوَابِ مُغْلَقَةً،وَقَلْبِي قَدْ أَصْبَحَ قَاسِيًا بِقَدْرِ مَا كَانَ لَيِّنًا، وَسَتَعْلَمُ أَنَّ مَنْ يُضَيِّعُ أُنْثَى مِثْلِي لَا يَجِدُهَا حَتَّى فِي الْكَوَابِيسِ الْكَاتِبَة: آيَةُ الْهُور ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "الفراشة الملونة" الإنسان ينسج حياته على غير علم منه، فيكون الجمال طبقة داخلية، أما الجزء المظلم داخله فيحاول إزهارَه وفقًا لقوانين الجمال. لست أدري إن كان إزهار الجانب الأول مني سيؤثر على جانبي الآخر، وأني أرى نفسي كفراشة، أثرها طيب أينما وقعت أبهجت. فأزهرت حياة الآخرين، ورفرفت بأجنحتها الملونة، تاركة أثرًا رقيقًا جميلًا. فراشة تضفي مصدر إلهام، تتراقص بأجنحتها بين الأزهار تضفي جمالاً للزهرة وتلونها بألوانٍ زاهية تعطي أملًا للحياة . الكاتبة :هدى الزعبي ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "لنكن منطقيِّين لمرة" هُنا، لا شيءَ يَحدُثُ بالصُّدفةِ، بلْ لِلبحثِ عن صدًى لما هو أعمقُ منَ الحواسِ. العَيْنانِ لا تَريانِ تفاصيلَ المشهدِ، بلْ تَلتقِطانِ ارتِجافاتِ الرُّوحِ في مُواجَهةِ ذاتِها. إنَّه ليسَ لِقاءً بينَ جَسَدَين، بلْ بينَ سُؤالٍ وجَوابِه، بينَ كائنٍ يُحاوِلُ الإمساكَ بِمَعنىً ما، وظِلٍّ يَتراقَصُ في الهامِشِ، يُهمِسُ بأنَّ الحقيقَةَ ليستْ شيئًا يُمتَلَك، بلْ شيئًا يُكتَشَفُ معَ التَّجارِبِ. لا الزَّمنُ يُقيسُ نَفسَهُ بالدَّقائقِ، ولا المسافاتُ تُقاسُ بالخطواتِ. هُنا، الوجودُ يُبوحُ لِنفسِه، ويتحاورُ معَ صَمتِه، ويتسرَّبُ في الفَراغِ كأنَّهُ يُريدُ أنْ يَختبِرَ خِفَّتَه، أنْ يَتجرَّدَ منَ الأسماءِ. أنْ يكونَ فقط… تَجرُبةً عابِرةً، تَتكوَّنُ منْ مَنطقيَّةٍ ووَعيٍ، دونَ مَشاعِرَ أو إحساساتٍ. لِنُجرِّبْ مرَّةً، لِنكونَ منطقيِّين مرَّة! الكاتبة: جينيا مناع ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "تَناسُجُ الأَرْواحِ في الطَّيْفِ النَّسَغانيِّ" في فُسْحَةٍ بَيْنَ زَمَنَيْنِ، على مِهادٍ مِن زُهورِ الخُلَّنِ والإِسْبَراكسيس، وَقَفَتْ هي، كاهِنَةُ التَّناسُخِ، مُكَلَّلَةً بِنُضارِ اللِّيلَكِ، تُلامِسُ بِجَناحِ أَنامِلِها جَبِينَ الكائِنِ النَّسَغانِيِّ، ذاكَ الَّذِي انبَثَقَ مِن أَحْشاءِ الـ"كالْباثْيونِ" وتَرَبّى على هُدْبِ الهاموراي القَدِيمِ. قالَتْ بِصَوْتٍ مُشْبَعٍ بِالنَّبْرِ الجَوانِيِّ: "يا وارِثَ السِّرِّ الكِتُوبِيِّ، أَما آنَ لِخَلِيَّةِ الوُجودِ أَنْ تَنْفَلِقَ عَنْ هُلامِها وتُفْصِحَ؟ في راحَتي تَرْتَعِشُ الشِّيفْرَةُ اللُّبّانِيَّةُ، وفيكَ تَتيهُ مِرآةُ الأَزَلِ." انْحَنى هُو، لا خُنوعًا، بَلْ كأَنَّهُ يَقْتَفِي أَثَرَ النَّفَسِ الأَرَقِيِّ، ذاكَ الَّذِي يُسْتَنْبَتُ في حَضِيضِ الأَرْكَسِيّاتِ عِنْدَ اكْتِمالِ الدَّوْرَةِ الإيزوتروبيَّةِ. لَمْ يَكُنْ يُتْقِنُ اللَّفْظَ، إِذْ خُلِقَ مِن نُتَفِ اللِّحاءِ المُتَناهِي، ومِنْ ظِلالِ الفِكْرِ الفِيثاغورِيِّ المُتَحوِّرِ. أَرْبَكَهُما السُّكُونُ — ذاكَ السُّكُونُ الـ"نُومِي-كوانْتِي" الَّذِي يَسْكُنُ بَيْنَ تَلافِيفِ اللُّغَةِ ومَجازاتِ الوُجودِ. فَوْقَهُما، تَهاَمَسَتْ رِياحُ الكِرِيبْتونِ القَدِيمَةِ، ورَفْرَفَتْ أَسْرابُ الميتا-كائِناتِ في مَداراتٍ لا تُرَى، تُبارِكُ اتِّحادَهُما المُعَلَّقَ في فُلْكِ الاحْتِمالِ الأَبَدِيِّ. بقلم الكاتبة: شيماء عجم ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "غيم لا يمطر" كأنني كنتُ، وما زلتُ، زهرةً تنمو على أطراف حافةٍ منسية، أعانق الريح، وأخاصم الجذور. لستُ على يقينٍ، هل كنتُ الأرض أم الهاوية؟ أمدّ يدي نحو ظلك، كأنني أستجدي من الغيم أن يحميني من مطرٍ كنتُ أنا من نسجه. أيها العابر بين كلماتي، لا تفتش عني في الضوء، ولا بين سطور الحكايات التي أرهقها التكرار أنا شُرفةٌ مهجورة بين الحبر والفراغ. كُتبتُ ذات شتاء، ثم تُركتُ مفتوحة النهايات، كما يليق بكل ما لم يُفهم تمامًا لا تُمعن النظر في ندبي، ولا تُحاول قراءتي كأنني لغزٌ قابلٌ للحل، فأنا لا أنجلي إلا حين أتوغل في الغموض أكثر. الكاتبة: إيمان إبراهيم البطوش ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "أزهرني إن استطعت" هو واقفٌ هناك، كجذعٍ نُسي في الخريف، تكسوه الذّاكرة اليابسة، وتُحيطه ظلالٌ لا تُثمر. عيناهُ كأغصانٍ سَقَطت عنها الحياة، وصدره، مليءٌ بالرّيح، خالٍ من النّبض. أما هيَ، فتمشي نحوه بخُطى الربيع، بعينيها يبتسم الضّوء، ومن كفّيها تنبت الزّهور. تحاول أن تلامسه، لا بيدها فقط، بل بروحها، كأنّها تقولُ له: دعني أرويك، دعني أكونُ المطر. هو لا يهرب، ولا يقترب، كأنّهُ لا يعرف كيف تُمسَكُ يدٌ خضراء دون أن تُكسَر. لكنّه يشعر، ولأول مرّة منذُ زمن، بشيءٍ يتحرك بداخله، كأنّ نسمةً صغيرة مرّت، فارتجفت أغصانُه. هي لا تُنقذه، بل تُذكّره بأنّه كان حيًا يومًا، وأنّ الحياة لا تنتهي حين تجفُّ، بل حين لا يعود هناك مَن يحاول أن يُزهِرنا من جديد. الكاتبة: ورود نبيل ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "مرآتي التي لم تَعُدْ تَعرِفُنِي" هَا أَنَا أَقِفُ أَمَامَ نَفْسِي... أُحَدِّقُ فِي اِنْعِكَاسِي كَأَنَّنِي أَرَاهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. لَا أَعْلَمُ كَيْفَ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا، وَلَا كَيْفَ أَصْبَحْتُ بِهَذَا الجَفَافِ وَالْانْكِسَارِ. أَنَا، الَّتِي كُنتُ يَوْمًا أَشْبِهُ الرَّبِيعَ،مَلِيئَةً بِالْأَلْوَانِ، أَنبتُ مِنْ كُلِّ شُعُورٍ صَغِيرٍ. ضَحِكَتِي كَانَتْ صَاخِبَةً، وَعَيْنَايَ تَلْمَعَانِ بِحَيَاةٍ لَا تَنْتَهِي، كُنتُ أَزْهَرُ… أَزْهَرُ فَقَطْ لِأَنِّي أَحْبَبْتُكَ. لَقَدْ كَانَتْ بَدَايَاتُ الْحُبِّ دَاخِلِي أَشْبَهَ بِالْاحْتِفَالاتِ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَلْمَعُ: قَلْبِي، أَفْكَارِي، حَتَّى صَوْتِي حِينَ أَتَكَلَّمُ عَنْكَ. لَقَدْ كَانَ حُضُورُكَ يُبَعْثِرُنِي، لَكِنَّهُ يُعِيدُ جَمْعِي فِي النِّهَايَةِ لِشَيْءٍ أَجْمَلَ مِّمَّا أَنَا عَلَيْهِ. لَقَدْ أَحْبَبْتُكَ بِصِدْقٍ،أَعْطَيْتُكَ مِنْ رُوحِي، مِنْ وَقْتِي، مِنْ صَبْرِي، مِنْ حُلْمِي… حَتَّى أَنَّنِي نَسِيتُ نَفْسِي وَأَنَا أُفَضِّلُكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. كُنتُ أَقُولُ: "الْحُبُّ عَطَاءٌ"، وَأَعْطَيْتُكَ... حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِني شَيْءٌ. وَمَعَ الوَقْتِ، بَدَأَ الوَهَجُ دَاخِلِي يَخْتَفِي. وَابْتِسَامَتِي لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً، وَكَلِمَاتِي فَقَدَتْ سِحْرَهَا، وَمَا تَبَقَّى مِنِّي، أَصْبَحَ رَمَادًا يَمْلَؤُهُ غِيَابُ التَّفَاصِيلِ. هَا أَنَا الْآنَ مِثْلُ الْأَرْضِ القَاحِلَةِ، أَبْحَثُ فِي دَاخِلِي عَنْ نَبْتَةٍ صَغِيرَةٍ، عَنْ أَيِّ أَثَرٍ لِذَاكَ الرَّبِيعِ. أُعِيدُ شَرِيطَ البَدَايَاتِ، كَيْفَ كُنتُ... وَكَيْفَ أَصْبَحْتُ. لَكِنْ بِرَغْمِ كُلِّ هَذَا الرَّمَادِ، هُنَاكَ زَاوِيَةٌ صَغِيرَةٌ دَاخِلِي، رُكْنٌ لَمْ يَمُتْ،يُحَاوِلُ أَنْ يَلْمِسَنِي بِلُطْفٍ،كَأَنَّهُ يَقُولُ لِي: مَا زَالَتِ الْحَيَاةُ مُمَكِّنَةً،مَا زَالَ النُّورُ فِيكِ، فَقَطْ عُودِي إِلَيْكِ. حيث أن الْخِذْلَانُ لَمْ يَأْتِ مِنَ الْحُبِّ وَحْدَهُ، بَلْ مِنِّي أَنَا، حِينَ نَسِيتُ أَنَّنِي أَسْتَحِقُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُحِبُّ. حِينَ جَعَلْتُ كُلَّ مَشَاعِرِي لَهُ، وَنَسِيتُ أَنْ أَحْتَفِظَ بِشَيْءٍ مِّنْهَا لِي. ها قَدْ وَصَلْتُ لِنِهَايَتِي لَيْسَ لِأَنَّ حُبِّي كَانَ خَطَأً، بَلْ لِأَنَّنِي أَضَعْتُ نَفْسِي وَأَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَبْقَى كَامِلَةً مِنْ أَجْلِ غَيْرِي. الكاتبة : مريم محمد سيد أحمد ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "بين الرماد توهج الأمل" في مَكانٍ يَعزِف فيه الصَّوتُ صمتًا، حيثُ لا تجدُ الألوانَ إلا في الذكريات، كان يقفُ هو. عيناه تغرقُ في بئرٍ من العزلة، وأصابعه تعبثُ بجزءٍ من الزمنِ المتآكل. لم يكن هناك شيءٌ سوى الهواءِ الذي يهمسُ في أذنهِ كلماتٍ قديمة، كأنها أغاني من زمنٍ بعيد. في تلك الأرضِ التي تراقصت فيها الأزهارُ تحت سماءٍ حزينة، كانت الحياةُ تكادُ تختفي في خيوطِ الضوءِ المتلاشية، حتى ظهرت هي. كانت كأنها ربيعٌ يمشي، بثوبٍ من نورٍ وتاجٍ من زهرٍ، تتنقلُ بين الخيالِ والواقعِ بخطىً لا تتركُ أثرًا على الأرض. أمامَ رجلٍ صامت، جسده نُسِج من أغصانٍ جافةٍ، وكأن الريح نحتته، وكأنَّ العمرَ مرّ عليه دون أن يتركَ فيه حياة. اقتربت منه، دون أن تنطقَ كلمة، كما لو أن الكلمات كانت أشياء قديمة لا تُحكى في هذا المكان. كانت خطواتُها تلمسُ الأرضَ بخفةٍ، فتتفتحُ الزهور حيثما مرت، وتتراءى الألوانُ في الهواءِ الذي كان يبدو وكأنه قد نسي كيف يتنفس. مدّت يدها، لا خجلَ فيها ولا خوف، وفي لحظةٍ قصيرة، لامست أصابعها وجهه اليابس، فتناثر الرمادُ كما لو أنّ الزمن قد فقد نفسه للحظة. سقطت ورقةٌ خضراء، تكادُ لا تُرى، لكنها كانت تعني بدايةَ شيءٍ جديدٍ في عالمٍ قديم. الكاتبة: ليان شريف جعبة ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "لقاء الفصول" في حضن زهرٍ من ربيعٍ نقيّ مدّت يدًا من ضياءٍ وحنّي وقالت: "أأنتَ الذي كان حلمي؟ أم أنتَ فجرٌ من الليلِ دُني؟" فأجابها الساكنُ من غصنِ صمتٍ: "أنا من ترابٍ، وقلبي سَني" تسللت الأنثى بخفة وردٍ، وجاءته في هيئة العاشقِ النقي هو من جذورٍ، من طينٍ وأشواك، وهي من ندى، من عبيرٍ، شذي وكم يشتهي الغصن عطر الزهور، وكم يحتمي الزهرُ في ظلّ حي ففي لحظةٍ صارت الأرضُ عشقًا، تزاوج فيها الزمانُ النقي فقالت له: "هاك قلبي رقيقًا، إذا ما احتواك، فلا ترتجي سوى دفء أنفاسيَ المُستكين، ونبضي الذي لا يملُ السري ففي حضنك الأرض تحيا، وتزهو، وتنمو السنابل في الحقلِ الحريّ" فأطبق كفّيه حول الكلام، وقال: "أنا العاشق المنتمي لظلّكِ، للصوتِ، للمستحيل، لسرِّ افتتانٍ بلا أيّ شي" وفي غمرة الصمت، ناحت نجوم، وغنّى المساءُ بلحنٍ خفي وأنبتتِ اللحظةُ ألف غصون، بها يتعانق حُلمي وحيّي وسارت خطاها على صدر أرضٍ، كسربِ الندى في دعاءٍ نقي وفي كلِّ موطئِ نورٍ تُقيم، حكاية عشقٍ، ووشم التقي تقول النسائم: "هنا قد مرّت، مناراتُ حسنٍ، ووجهٌ سخي" وتنبت من حيثُ تمشي الزهور، كأنّ الدروب اشتهاها المَضي وفي غصنهِ – وهو ذاك السكون – تنامت براعمُ وجدٍ خفي وقال لها حين ضمّ يديها: "لقد عدتُ طفلًا، وفيكِ أكتفي أنا لستُ إلا ترابَ العطاشى، وجدتُ السحابَ على راحتَي" فقالت: "دعِ العمرَ يمضي إلينا، فنحن البدايةُ في المُنتهى أنا فيك نبضُ الغيابِ الحنون، وأنتَ ارتواءُ الأسى والصدى تعالَ نكون القصيدة، لحنًا، يُرتّلُهُ الوردُ حين انطفى فما الحبّ إلا لقاءُ الفصول، إذا ما تلاقى الندى والثرى" وهبّت نسائمُ فصلٍ جديد، تغنّي به الأرضُ: "هذا الهُدى" الكاتبة: سحر العيسه ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "نحنُ كالطبيعة" من منبعِ اليأس ينمو الأمل، أحدهم نسيَ كيفَ يحيى، ذبُلتْ روحهُ وساد الحزنُ على ملامحهِ، آمالهُ جفّت، وتصلبت معانيهِ. سبحان من خلقَ المؤنسات الغاليات، دواء كل حزنٍ أرقُّ من النسيم، شبيهةُ الورد لا تخشى الظلال، تنشر الأمل والمسرة. أتت إليه بخُطى الضوء، تحمل بين كفيها حياةً لم يتوقّعها، تُمسك كلماته المكسورة، وتنفخ فيها روحًا جديدة. قالت: "ما ذبل فيك ليس موتًا، بل استعدادٌ للربيع." تنهّدت الأرض تحت قدميه، كأنها تُصغي، واستنشق لأول مرة دفءَ الحضور، وأدرك أن الحزن ليس مقبرة، بل ممر. الكاتبة: يسرى أحمد المساعيد ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ 'ظِلٌ نَابِض' هو لا يدرك كيف يُحكى الألم بابتسامة، كيف تُؤدى طقوس الحياة بقلبٍ مثقوب، ولا أحد يُصغي لصوت الوجع المتخفي خلف "أنا بخير". يمضي، شامخًا كأن لا شيء يهزّه، لكنه من الداخل... هشّ، كغصنٍ يابس يصرخ من شدة الانحناء. وهي، تقترب كربيعٍ هادئٍ يواسي خريفًا متعبًا، تُلامس وجهه المتجعد بالحزن بلمسةٍ فيها دفء المواساة، وصمت الفهم. هو ابنُ الألم، نسجَته الأيام من خيوط الانكسار، وكلما حاول أن يئنّ، أسكته صوتٌ داخليٌّ يزمجر: "إياك والبوح… أنت الظل، وأنت الدعامة، أنت من تُستمد منه الحياة." وهي، تزهرُ أمامه لا لتُبهجه، بل لتهمس بصوتٍ لا يُسمع: "لا بأس أن تَميل، لا بأس أن تتكئ… فالجذور أيضًا تتعب." ورغم العواصف، يبقى هو... واقفًا. تُوشك دموعه أن تنهمر، لكنه يبتسم. لأنه اعتاد أن يُخبّئ حزنه تحت أوراق الأمل. الكاتبة: نانسي السيوري ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "مخرج الروح" أن القلب لواحد فلا داعي لاستعارة آخر أو تبديله ، فأمامك حقولا مليئة بالأزهار و الريحان . فلماذا نضغط عليه بألم واحد ، فلا تلوث هذا القلب الجميل بالألوان الفارغة ، وازرع من قلبك أزهارًا تنير قلب كل من يراك ، في حين أن الحياة مليئه بالحيوية و الأمل يرهقنا أمرٌ واحدٌ فنراها كابوسًا. فلماذا نجعله يعيش في الجحيم ؟ في نهايه المطاف لا داعي أن تدع أمرًا سلبيًا واحدًا يحرق حقلًا كاملا مليئًا بالايجابية . الكاتبه : سلمى محمود الشاويش ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "كنتُ الأمل فأصبحتُ الألَم" كنتُ أُحاول أن أُعيدكَ إلى الحياةِ التي كُبِحَت داخلك، وأُعيدَ البهجةَ التي سُلِبت منك، وبذلتُ وُسعي حتى أزرعَ الأملَ من جديدٍ في أعماقك، وتجاهلتُ شعورًا سيئًا كنتُ أَشعُرُ به كلَّ يوم؛ إنّها نفسي التي بدأت تنطفئُ شيئًا فشيئًا، وحديقتي التي زرعتُها أملًا بدأت تذبلُ يومًا فيومًا. وأخطأتُ حين ظننتُ أنّي تعويذةُ السعادةِ التي تُلقى على كلِّ حزينٍ فيسعد؛ تلك التعويذةُ هي نفسي التي أعطيتُها الجميع. الكاتبة: عهود العجالين ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "عندما كانَ مزهرًا" لم يشفق بي بلحظةِ كُنت أتمنى أن يُنجيني . وددتُ لو أنه كان بجانبي ولم يؤذيَني ، لوهلةٍ ظننتهُ رجلًا أرفق بي لكنه ليسَ كذلك ، عندما كُنتُ بأمسِ الحاجةِ إليه. لم ينظُر إلى الوراء لِمساعدتي ، أحببتهُ حُبًا مرضيًا سيطرَ على كُلِّ عقلي وقلبي ، وكأنه داءٌ أصابني . مُزقت أناملي حينَ كَتبت عنه ؛ بعد هذا كله ، إلا أنني أزهرتُ نفسي وقفتَ على قدماي لكي أُسند قلبي ، وأعالجه من الندبة التي حصلت بهِ . مرت الأيامِ وأنا أسندني ، وأحارب عقلي وقلبي بعدم التفكير بهِ ، مضت ليالٍ من الشوق والرغبة برؤيته ولكني تمكنتُ من دفنهِ بداخلي لأولِ مرةٍ ؛ تقدمتُ إلى الحياه بِخطوةٍ ، ومضيتُ قدمًا بعد قدم لكي أجاهِد قلبي على العيشِ ، بعد ما عالجتَ نفسي مِنه ، عاد ،،، نعم عاد لكي أغفرَ لهُ وأُساعدهُ ،رفضتُ دون النظرِ إليه ، كانت أغصانه قد ذبلت بعد أن هجر قلبي ، كان قلبهِ قد يبسَ. كان الندم يتآكلهُ ، ولكنني لم أستطِع النظر إليه ! عاد لِيطلبَ مني أزهارَه ، لم أقل شيئًا . نظرتُ إليهِ بشفقةٍ لأنني لن أكونَ مثلهُ ، لن أتركهُ يتألم مثلما فعل بي ، مسكتُ به وأسندتهُ على كتفاي ، وهمستُ بأذنيهِ ؛ لا تقلق فأنا لستَ أنتْ .. الكاتبة: لارا محمد الأشقر ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ "بين زهرة وغصن" في وسط حقلٍ ملوَّن بأزهار الخشخاش الحمراء والزهور البنفسجية، تقف الحياة وجهاً لوجه مع الموت... أو ربما الطبيعة مع الإنسان. المرأة، ببياض فستانها وأناقة زهورها التي تتوَّج رأسها، تُجسّد النقاء والربيع، كأنها روح الأرض، ناعمة كنسمة صباح. أمامها يقف رجل مكسو بأغصان يابسة، كأنه نُحت من خشب الأشجار المتعبة، أو خرج لتوّه من أعماق غابةٍ صامتة. تمتد يداها نحوه، وكأنها تحاول أن تزرع الحياة في قلبه اليابس، أو أن تذكره بأنه كان يومًا جزءًا من هذه الطبيعة. مشهد يشبه الأساطير، فيه من الرمزية ما يجعل المتأمل يسأل: هل هذه لحظة وداعٍ أم لقاء؟ هل هي الحياة تحاول أن تعيد الموت إلى دورة الربيع؟ أم أن هذا هو الحب في أبسط أشكاله... بين زهرة وغصن؟ الكاتبة: آمال الغروف ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ تم التدقيق بواسطة: ريم عبد الكريم قطيفان تم النشر بواسطة: رهف وسيم رمانة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.