أحرفٌ على جبين الغيم

في زاويةٍ من غرفتي، حيثُ تتدلّى خيوطُ العنكبوتِ على ذاكرةِ الجدران، تقبعُ صرخاتي المُحنَّطةُ في قواريرَ زجاجية. أوراقٌ تشبهُ جثثَ فراشاتٍ ميتة، وأحرفٌ تتقيّأُ دمًا أزرقَ كلَّما حاولتُ لمسَها. كنتُ أختنقُ بكلِّ ما لم أقلهُ لكِ: عن السقفِ الذي يبكي طلاءً أبيضًا كلَّ ليلة، عن المرآةِ التي تشيخُ فجأةً عندما أتحدّثُ عنكِ، عن يديَّ اللتينِ تتحوّلانِ إلى رمادٍ كلَّما همستُ باسمِكِ في العتمة. لكنّي أحرقتُ مكتبتي كلَّها ذاتَ مساء.. تذكّرتُ كيفَ ضحكتِ ساخرةً يومَ قلتُ لكِ: "الكلماتُ خيانةٌ للشعور.. لماذا نُلبسُ العراةَ ثيابًا من وَهم؟" فابتلعتُ اللّهبَ بصمتٍ، وصرتُ أنا نفسي المحرقةَ والورقةَ التي لمْ تحترق. في ليالي الشتاءِ الطويلة، أفتحُ نوافذي على مصراعيها وأطلقُ كلماتي كطيورٍ مسمومةٍ في العاصفة. أراها تسقطُ واحدةً تلو الأخرى، تغرقُ في الوحلِ مثلَ حروفٍ من لوحِ الطينِ الأول. البارحةَ، تحتَ وسادتي، عثرتُ على قصيدةٍ كتبتُها بالبنزينِ ولمْ أشعلها.. كانتْ عيونُ الحروفِ تحدّقُ بي ببراءة، وتسألني: "لماذا فضّلتَ السكوتَ على أنْ نكونَ شهيدَ الحبِّ الأخير؟" فانكسرتُ كزجاجةِ عطرٍ فارغة.. وأدركتُ أنَّ: الصمتَ ليسَ مقبرةً للكلامِ بل هو الكلامُ نفسُهُ وقدْ صارَ جثةً! ✧ "ربما لو نطقتُ بحرفٍ واحدٍ من ذلكَ السواد.. لكانتْ كلُّ النجومُ في السماءِ انتحرتْ خجلًا من ضوئنا." الكاتب عبداللطيف عمر . تدقيق: ريم عبد الكريم تحرير: قُنوت العبوسي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.