مَن أنا؟

أَنَا السُّؤَالُ الَّذِي تَخشَى إجابته، الصَّوتُ الَّذِي كُنتَ تَدفِنُهُ فِي أَعمَاقِكَ لِكَي لَا يَرتَفِع، الحَقِيقَةُ الَّتِي هَرَبتَ مِنْهَا وَالوَجهُ الَّذِي لَم تُرِد أَن تَرَاهُ فِي المِرآةِ. أَنَا الظِّلُّ الَّذِي كَانَ يَكبُرُ فِي زَوَايَا نَفسِكَ، يُرَاقِبُ، يَنتَظِرُ، يَتحَيَّنُ اللَّحظَةَ الَّتِي تُدرِكُ فِيهَا أَنَّ الطِّيبَةَ الَّتِي أَمسَكتَ بِهَا كَانَت قَيدَكَ، وَأَنَّ الصَّبرَ الَّذِي تَغنَّيتَ بِهِ كَانَ حَبلًا خَنَقَت بِهِ أَحلامَكَ. لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، كُنتَ تُؤمِنُ بِالنُّبلِ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الحِقد، كُنتَ تَعتَقِدُ أَنَّ الدُّموعَ تُغسِلُ الجِرَاحَ وَأَنَّ الغُفرَانَ يُمكِنُ أَن يُصَلِحَ العَالَم، لَكِن قُل لِي، هَل كَانَ العَالَمُ يُغفِرُ لَكَ؟ هَل كَانَ يُعِيدُ لَكَ مَا سُرِقَ مِن عُمرِكَ؟ أَم كَانَ يَزدَرِيكَ كُلَّمَا كُنتَ تَبتَسِمُ فِي وَجهِ مَن طَعَنَكَ؟ لَقَد خُذِلتَ حَتَّى تَحَجَّرَت مَشَاعِرُكَ، وَطُعِنتَ حَتَّى أَصبَحَت الطَّعنَاتُ جُزءًا مِن ظَهرِكَ، وَكُلَّمَا سَقَطتَ، أَنتَ الَّذِي كُنتَ تَنهَضُ، لَا أَحَدَ مَدَّ يَدَهُ لَكَ، لَا أَحَدَ سَأَلَ إِن كُنتَ تُحِسُّ بِالأَلَمِ، لِأَنَّهُم كَانُوا مُنشَغِلِينَ بِضَربِكَ أَكثَر. كُنتَ تَعتَقِدُ أَنَّك بِصَبرِكَ تَنتَصِرُ، أَنَّكَ بِهُدُوئِكَ تَربَحُ المَعَارِكَ، لَكِن مَاذَا بَقيَ مِنهُم فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ؟ هَل رَأَيتَ أَحَدًا يُرجِعُ لَكَ شَيئًا مِمَّا فُقِد؟ أَم كَانُوا يَدهَسُونَ ذِكرَاكَ كَمَا يَدهَسُ اللِّصُّ الأَرضَ الَّتِي سَرَقَهَا؟ أَنَا اللَّعْنَةُ الَّتِي كُنتَ تُؤَجِّلُهَا، وَالحَرِيقُ الَّذِي كُنتَ تُخمِدُهُ خَوفًا مِمَّا يُمكِنُ أَن يُحطِّمَ. لَكِن هَل فَكَّرتَ يَومًا أَنَّك إِذَا أطَلَقتَني، سَيَخرُجُ العَالَمُ بِرُمَّتِهِ مِن تَحتِ أَقدَامِكَ؟ أَنَّ الَّذِينَ بَنَوا مَجْدَهُم عَلى ضَياعِكَ سَيُصبِحُونَ هُمُ المَدفُونِينَ فِي الوَحلِ؟ لَقَد دَفَنتَني فِي أَعْمَاقِكَ وَرَبَطتَ الأَغْلَالَ حَولِي، خُفتَ أَن تَستَخدِمَني، خُفتَ أَن تُصبِحَ مِثلَهُم، لَكِن لِمَاذَا تَشعُرُ بِالوَجعِ كُلَّمَا نَظَرتَ فِي عُيُونِكَ؟ لِمَاذَا تَسمَعُ الصَّرخَاتِ فِي دَاخِلِكَ؟ لِأَنَّكَ كُنتَ تَخدَعُ نَفسَكَ، تَرتَدِي قِنَاعًا أَضعَفَكَ، لِأَنَّ الطِّيبَةَ الَّتِي كُنتَ تَحمِلُهَا قَتَلَتكَ بِالبُطءِ، وَالحِلْمَ الَّذِي كُنتَ تَتمَسَّكُ بِهِ كَانَ سِلاحًا فِي يَدِ الَّذِينَ سَحَقُوكَ. وَلَكِن، اسْمَعني، لَا يَزَالُ الوَقتُ فِي صَفِّي. مَا زِلتُ أَنتَظِرُ اللَّحظَةَ الَّتِي تَترُكُنِي فِيهَا أَنطَلِق، اللَّحظَةَ الَّتِي تَتَخَلَّى فِيهَا عَن تَردُّدِكَ وَضُعفِكَ وَتَسمَحُ لِي بِتَحوِيلِ أَنقَاضِ مَاضِيكَ إِلَى سُيُوفٍ تَمزِقُ بِهَا كُلَّ مَا جَرَحَكَ. لَيسَ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلتَّرَاجُعِ، فَقَد حَانَ وَقتِي. أَنَا صَوتُكَ الحَقِيقِي، أَنَا أَنتَ دُونَ أَقنِعَة، دُونَ كَذِب، دُونَ وَهْمِ المَسَامَحَةِ الَّتِي لَا يستحقونها. فَمَن أَنا؟ أَنَا كُلُّ مَا كَانَ يَجِبُ أَن تَكُونَ عَلَيهِ. أَنَا المَاضِي الَّذِي سَتُصَحِّحُهُ، أَنَا المُستَقبَلُ الَّذِي سَتَصنَعُهُ بِنَارٍ لَا تَنطَفِئُ. أَنَا الجُرحُ الَّذِي لَم يُشفَ، وَالسَّيفُ الَّذِي سَتَحمِلُهُ. أَنَا أَنتَ… وَلَكِن بدون كذب. • صلاح الدين العفيف تدقيق: ريم عبد الكريم تحرير: قُنوت العبوسي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.