" غريبةُ الدِّيار

في الخامسةِ عشرةَ من عمرِها، كانت "ليلى" تُراقبُ العالمَ يمرُّ من نافذةِ القطار، وَحدَها. لا أحدَ بجوارِها سوى حقيبةٍ صغيرةٍ وثِقلٍ كبيرٍ في قلبِها. القطارُ لم يأخُذْها فقط من بيتٍ إلى آخر، بل رُمِيَ بها على رصيفِ النُّضجِ القَسْريّ. قبلَ سنواتٍ، قرَّر والداها، "ستيف" و"كارس"، الانفصالَ. لم يُدرِكا حينها أنَّ الانفصالَ لا يحدُثُ بين شخصَين فقط، بل يتشظّى في قلوبِ مَن حولهم، وخاصّةً قلبَ طفلتهِمَا. كلٌّ منهما اختار أن يمضي، يظنُّ أنَّ الآخرَ سيتكفّلُ بالطفلة، لكنَّ "ليلى" بقيتْ عالقةً بين الاثنين، لا هيَ ابنةُ "ستيف" كما كانت، ولا مُرحَّبٌ بها في حياةِ "كارس" الجديدة. "ستيف"، الذي أراد أن "يرتاح"، زوّجَها في سنٍّ مبكرةٍ لرجلٍ يكبُرُها بعشرينَ عامًا، فقط ليُزيحَ عبئًا عن كاهله. أمّا زوجُ أُمِّها، فكان يراها عبئًا حقيقيًّا، ونَبَذَها ببُرودٍ كأنّها دخيلةٌ على حياتِه. في بيتِ زوجِها، لم تَجدِ الحنان، بل وجدتِ العذاب؛ كلماتٌ جارحةٌ، نظراتُ احتقارٍ، وأفعالٌ تُطفئُ كلَّ بصيصِ أملٍ في داخلِها. كانت تَبتلعُ الإهاناتِ وتُخفي الألمَ، تُحاول أن تُقنِعَ نفسَها أنَّها بخير، لكنّها كانت تنهارُ كلَّ ليلةٍ بصمتٍ. وفي لحظةِ شجاعةٍ نادرةٍ، وقفتْ أمامَ زوجِها وقالتْ: "كفى." لم تكنِ الكلمةُ كافيةً لتغييرِ مصيرِها، لكنها كانت البداية. انفصلتْ عنه، تحمّلتْ نظراتِ المجتمعِ، وعادتْ لتعيشَ وحدَها. لم تَجِدِ العوضَ بعد، لكنها وجدتْ ذاتَها، تلك الفتاةَ التي كادت أن تنساها. رُبّما لم تكنِ الطفولةُ عادلةً، ورُبّما الكِبارُ أَخطَؤوا كثيرًا، لكن "ليلى"، تلك الفتاةُ التي أجبَرَها العالمُ أن تكبَر، بدأتْ الآنَ فقط تتعلّمُ كيف تُحب. الكاتبة: يُسرى أحمد المساعيد تدقيق الكاتبة: أ. شهد صقر القواسمي تحرير : سوسن عمر ابو جابر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.