حياة

في المسافة بين الغياب واللاعودة، حيث تنحني الأقدام على طرقاتٍ بلا ملامح، كنتُ أجرّ ظلّي خلفي كأنه امتدادٌ لنقصٍ لا يكتمل. الليل طويلٌ، لكن ليس كطول السكون العالق بين الضلوع، والريح تعبر فوق رأسي، لكنها لا تحمل إليّ سوى أصوات لا أفهمها، نواح المسافات البعيدة، ضحكة مبتورة من زمنٍ لا يشبه الآن، شهقة نايٍ يعزف لأرواح لم تعد هنا. كنتُ أمضي ولا أمضي، أسيرُ بلا جهة، كأنني كنتُ سطرًا منسيًا في رواية قديمة، كأنني كنتُ نقشًا على جدارٍ تآكله الزمن لكنه لم يستطع محوه بالكامل. الذاكرة كانت تضيق بي، كنتُ أبحث بين ثناياها عن صدى خطواتٍ اختفت، عن ظلٍّ تمدد ثم تلاشى، عن حضورٍ كان ملتبسًا بين البقاء والرحيل. كل شيء كان هنا، لكنه لم يكن، وكأن العالم بأسره أصبح انعكاسًا باهتًا لما كان يمكن أن يكون. حتى الضوء صار ظلاً، حتى الخطوات أصبحت أصداءً بلا جسد، حتى الهواء صار أثقل، كأنه يحمل أشياءً لا تُرى لكنها تستقر في القلب كأحجار الغرق. كنتُ أمضي، لكن إلى أين؟ لم أكن أعلم، وربما لم أكن أرغب في أن أعلم. ثم… كان هناك شيءٌ لم أفهمه، لم يكن صوتًا لكنه كان موسيقى تُعزف في مكانٍ لا أراه، لم يكن ضوءًا لكنه كان كسرًا في جدار الظلام، لم يكن حضورًا لكنه لم يكن غيابًا أيضًا. شعرتُ به قبل أن أراه، كأن المسافة بيني وبينه لم تكن فيزيائية، بل شعورٌ عالق بين القلب والعدم. لم يكن هذا يقينًا، لكنه لم يكن ترددًا، لم يكن ماضيًا يعود، لكنه لم يكن أيضًا صفحةً تُطوى، كان شيئًا آخر، شيئًا يشبه يدًا تلوّح لي من خلف الضباب، شيئًا يشبه نَفَسًا دافئًا في شتاء الروح. لم يكن البدء لحظةً واحدة، كان امتدادًا لشيءٍ بدأ يتسلل إليّ ببطء، كالمطر حين يسبق نزوله سكونٌ عميق، كأن البحر يتراجع للحظة قبل أن يرسل موجه العظيم. كنتُ أرى لونًا لم أره من قبل، أسمع نغمةً لم أسمعها من قبل، وأشعر بأن هذا التيه لم يكن سوى طريقٍ لم أكن أعرف وجهته. لم يكن يقينًا، لكنه كان شيئًا يشبهه، لم يكن وعدًا لكنه لم يكن خداعًا، لم يكن مصادفةً لكنه لم يكن قدرًا، كان مثل لحظة ولادةٍ لا تملك تاريخًا لكنها تحمل كل الأزمنة في طياتها. هناك، في الزاوية التي لم أكن أعلم بوجودها، وجدتُ أن الفراغ لم يكن عدمًا، بل كان مساحةً لامتلاءٍ آخر. وجدتُ أن المسافة ليست دائمًا فراقًا، بل أحيانًا تكون امتدادًا لما لا نعرفه بعد، أن الأثر ليس دائمًا ما يُترك خلفنا، بل قد يكون ما نحمله معنا دون أن ندرك. لم يكن هذا تعويضًا، لم يكن بديلًا، لم يكن شيئًا يُقارن أو يُوزن، كان شيئًا قائمًا بذاته، كأن الليل لم يكن إلا نفقًا يقود إلى نهارٍ آخر، كأن الرماد لم يكن إلا الأرض التي تنبت منها الحقول. في تلك اللحظة، لم أكن بحاجةٍ لأن أفهم، كنتُ فقط بحاجةٍ لأن أشعر، وكان هذا الشعور.... حياة. الكاتب: صلاح الدين العفيف تدقيق: ريم عبد الكريم قطيفان تحرير: رهف وسيم رمانة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.