فن النسيان
وإنّي أهيمُ شوقًا إن مرّ بخاطري،
أتراهُ يذكُرُني ولو سهوًا ويبتسمُ؟
يا لهذا القلبِ الذي ما عرفَ جفاءً، ولا أتقنَ فنَّ النسيانِ ولو أوجَعوه. كيف لي أن أمحو من روحي ملامحَ وجهٍ عَبَرَ بها ذاتَ زمنٍ، فتركَ على جدرانِها بصماتٍ لا تزول؟ كيف لي أن أتجرّدَ من حنينٍ يتوهّجُ في صدري كلّما نادتني الذكرياتُ بأسمائهَا، كلّما لمستُ الأشياءَ التي كان يومًا يمرُّ بها؟
لقد كان بيني وبينهُ عُمرٌ من اللحظات، نَسَجتُهُ من نبضٍ صادقٍ، من ضحكاتٍ لم أدرِ أنّها ستتحوّلُ يومًا إلى صدى بعيد. عشتُ معهُ ألفَ موقفٍ، بين الفرحِ والخذلانِ، بين الحُلمِ والخيبةِ، بين العتابِ الذي كنتُ أُخفيهِ خوفًا من الفقدِ، والدموعِ التي كنتُ أُخادعُ بها قلبي وأبتسمُ.
ومعَ هذا، لا أقوى على قسوَةٍ تُوازي قسوته، ولا أستطيعُ أن أرسمَ لهُ في قلبي ظِلًّا للكراهية. كيف يُمكنني ذلك، وأنا التي كلّما حاولتُ أن أنساهُ، وجدتُهُ في تفاصيلِ يومي، في حديثِ العابرين، في الأماكنِ التي خطَوناها معًا، في الأغنياتِ التي كانت تسرّبُ صوتَهُ إلى روحي؟
أتراهُ يذكرُني كما أذكرُه؟ أم أنّني وحدي أحملُ هذا العبء، أمضي في دروبِ الحياةِ مثقلةً بشوقٍ لا يرحم، بحنينٍ يتكاثرُ في غيابهِ كأمواجٍ لا تهدأ؟ أم أنّني صرتُ مجرّدَ ماضٍ باهتٍ، لا يمرُّ بخاطرهِ إلا كذكرى عابرة، لا توقِظُ فيهِ شيئًا؟
ويحَ هذا القلبِ، كيف يظلُّ وفيًّا لمن رحل؟ وكيف يبقى مُعلّقًا بحبالِ الحنينِ، رغمَ أنَّها تخنقُهُ كلّما اشتدَّ عليهِ الشوقُ؟
للكاتبة: شيماء عاطف علان
تعليقات