الرياح العاتية

هبت الرياح عاتية، حاملةً في طياتها أنين الزمان، فاجتاحت الفضاء كما اجتياح العواصف المدمرة لأحلامٍ ضاع عهدها في الذاكرة. كانت الأوراق تتناثر في الهواء كأنها أسرار قديمة تُفضح، وتتحطم في وجه الرياح التي كانت تعزف ألحانًا من الألم والمقاومة. وفي قلب تلك العاصفة، حيث السكون قد ضاع في زحام الزمهرير، أشرق في الأفق منظر لا يُحكى، بل يُحس: سماء سوداء تتراكم فيها الغيوم، تكاد تلامس بعضها، قلعة مشيدة من سحابٍ كثيف، لا تقهرها الأيام ولا تعصف بها الرياح. تلك القلعة، رمزٌ للفخار، جدرانها تبعث في القلب هيبة، وأسوارها الشامخة تُلقي بظلالها على الأرض، كانت تُسطر بدماء أبطالها كل فصول المقاومة، وفي زوايا تلك القلعة، حيث يتلاشى الصوت، كان الفرسان يقفون. لم تهتز قلوبهم أمام السهام التي كانت تنقض عليهم كالرعود المدوية، بل كانوا كالأشجار العتيقة، تَمسك جذورها بالأرض بكل قوة، لا تذبل ولا تساوم على مبادئها. كل سهم يمر عبر أجسادهم، كان وكأنه يترك نقشًا على صخرة الزمن، وكل نقطة دم سُفكت كانت شهادة على إرادة لا تُقهر. كانوا يقاومون لا لحفظ حياتهم، بل ليثبتوا أن الصمود لا يُقاس بعدد السنين، وإنما بعدد اللحظات التي أُعطيت للدفاع عن الحرية ، وعندما تشتد العاصفة، لا تظل القلاع مهددة بالسقوط، ولا يظل الأبطال مهددين بالزوال. ففي قلب العواصف، يبقى الثبات، وفي حضن الألم يُولد الأمل، فهؤلاء الفرسان كانوا يعلمون أن رسالتهم لا تموت، كما أن القلعة لا تُهدم، بل تظل قائمة، حتى وإن تلاشت السهام، وبقيت الرياح وحدها تدور. الكاتبة: افنان سعيد شحاده تدقيق: ريم عبد الكريم قطيفان تحرير: رهف وسيم رمانة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.