ماذا لو قابلت ذاتي وهي طفلة؟
كنتُ سأصطحبها إلى مكاني السري، ذاك الذي لم أسمح لأحد بعبور عتبته، حيث تسكن روحي حين تضيق بها الحياة. كنتُ سأعدّ لها مشروبها المفضل، وأصبّ لنفسي قهوتي السوداء المعتقة، ثم أنثر الورود حولنا كأنني أزرع لحظتنا بالطمأنينة. سأجلس هناك، بصمتٍ عميق، في انتظارها... حتى تأتي بخطواتها الصغيرة، تحمل في عينيها ذات الدهشة الأولى.
وحين تراني، لن تتردد في معانقتي، ستطوّقني بذراعيها الصغيرتين، وكأنها تحاول أن تضمّني إلى عالميها، وأنا... لن أتمالك نفسي. سأبكي كما لم أبكِ من قبل، بكل ما عشته، بكل ما أخفيته خلف قناع القوة. لكنها لن تبكي معي، بل ستبتسم، ستمسح دموعي بأطراف أناملها، وتخبرني أنني كنتُ بطلة قصتنا، أنني لم أنكسر رغم كل ما حاول أن يُسقطني، أنني انتصرت، رغم الخيبات، رغم الذين تركوني رغم تمسّكي بهم حتى آخر رمق.
ثم، ستنظر إليّ بعينيها الممتلئتين يقينًا وتقول:
أنا فخورة بكِ، فخورة بكل خطوةٍ خطوتِها وحدكِ رغم التعب، بكل حلمٍ رفضتِ أن تتخلي عنه رغم العثرات. لم تدخلي اليأس قلبكِ يومًا، حاربتِ حتى الرمق الأخير، وأنتِ اليوم تقفين هنا، أقوى، أجمل، أنضج. أنتِ الحلم الذي كنتُ أنتظره لأكبر وأراه يتحقق أمامي.
لكنكِ لم تنتهي بعد... هناك أحلام أخرى تنتظركِ، نجاحاتٌ ما زالت في طريقها إليكِ، أهدافٌ تتوقين إليها، وأثقُ أنكِ ستصلين. لا تدعي الإرهاق يثنيكِ، ولا تدعي الخذلان يسرق بريق عينيكِ. الذين خذلوكِ سيعودون نادمين، لكن أرجوكِ، لا تفتحي لهم الباب، لا تمنحيهم حق الدخول إلى عالمكِ من جديد.
ثم، بنظرة مليئة بالحنان، تضيف:
لا تحزني على الصعوبات التي مررتِ بها، فقد نحتتكِ كما يُنحت الحجر ليصبح نادرًا، صقلتْ فيكِ القوة، ونضجتْ فيكِ البصيرة، فغدوتِ تعرفين جيدًا ما تريدينه في هذه الحياة. لكن، عديني بشيء واحد... أن لا تقتلي الطفلة التي تسكنكِ، أن تبقيها حيّةً، رغم كل ما يجبركِ على أن تكوني ناضجة. لا تجعلي الحياة تسرق منكِ روحكِ النقية، لا تسمحي لها أن تخبو تحت ثقل الأيام. كوني ناضجة حين يجب، لكن عودي إليّ بين الحين والآخر، لنركض تحت المطر، لنضحك بصوتٍ عالٍ، لنعيش لحظاتنا بجنونها وحلاوتها.
ثم، فجأة، ستلمع عيناها بدهشة طفولية، تمسك يدي وتهمس بلهفة:
لقد تذكرت... أين لعبتنا المفضلة؟ كنتُ أحملها معي في كل مكان...
وهنا، سأبتسم وسط دموعي، وأدرك أن الطفلة لم تغادرني قطّ، بل كانت تنتظرني لأعود وأجدها من جديد.
الكاتبة: صفاء أحمد
تدقيق: ريم عبد الكريم قطيفان
تحرير: رهف وسيم رمانة

تعليقات