سجين الذكرى

محاولًا تجاوز خيباتي المتتالية، الحياةُ تحتاجُ لشرارةٍ في داخلنا كي ننجو بها. لا يمكنُ للمرءِ رؤية الأمور كما هي عليه عندما يكون داخل الإطار. حياتك لن تستمرّ لو بقيتَ عالقًا في مشهدك المؤلم! لن أكذب عليك، ولن أخدع نفسي بإخبارك أنك تستطيع التجاهل أو النسيان أو التناسي، ولن أقول لك ذلك، لأنني لا أؤمن بالنسيان. فحتى لو فُقدت ذاكرتك، ستظلّ تتذكر... أكثر الآلام فتكًا... أن تدرك أن حياتك تمضي بكَ رغمًا عنك! والأشدّ إيلامًا... أن تعرف يقينًا أنك مُجبرٌ على النهوض، لا خيار لك في السقوط. لماذا نرفضُ تقبّل ما هو مفروضٌ علينا؟! "حياتنا ليست وردية"... معرفتكَ للأمر ليست كافية، بل عليك إدراكه وتقبّله والتعايش مع فكرةِ أنك ستبكي أكثر مما ستضحك! أتساءل: هل من الممكن أن نرسم أقدارنا بأيدينا؟! أعلم أنه ممكن... لكن ماذا عن شخصٍ تطارده ذاكرته كوحشٍ لا ينام؟ ماذا عن شخصٍ حمل ذاكرته كجرحٍ لا يندمل؟ ماذا عن شخصٍ أنهكهُ القدرُ والمُقدَّرُ له؟ ماذا عن شخصٍ أرهقهُ حبُّه الغبي؟ "الحب من طرفٍ واحد" ما هو إلا أن تعيش وهمًا تُقنع به نفسك، أن ترى في عينيه حبًّا تعلم أنه ليس إلا صدى حبّك أنت. أن تحبّهُ وتحبهُ وتحبهُ... حتى تتوقفَ عن معرفةِ كيف تحبُّ الآخرين. مدركٌ أنت؟ أنكَ كتبتَ بؤسَكَ بيديك، وكتبتَ نهايتَكَ أيضًا! لا مكان للعدل في هذا الحب... ستُعطي وتعطي، وستستمرّ بالعطاء، ولن تأخذَ قَدْرَ ذرّةٍ! نحنُ الذين نُحبُّ بهذا الجنون... نحنُ المسرحُ والممثلون، نحنُ الجلادُ والضحيةُ معًا. نحمل السيف على أنفسنا، ثم ننتحب حين نُجرَح به. أرهقنا قلوبَنا بمعرفتنا أن المكان ليس لنا، ولن نجنيَ منه شيئًا سوى ألمٍ يحرقنا ويدفننا، ونبقى أحياءَ الجسد فقط... وأرهقتنا قلوبُنا عندما عصتْ عقولنا، نادتها: "تراجعي! لا تتهوّري!" لكنّها أدارت ظهرها، مُدّعيةً عدم سماعها تحذيرات عقلٍ مُدرِكٍ أيَّ طريقٍ نسلك، وأين نهايةُ هذا الطريقِ المسموم... ذاك الحبّ سمٌّ بطيء... يستنزفكَ قطرةً قطرة، حتى لا يبقى منك إلا خواء. الحبُّ حين يكون قاتلًا... لا يقتلك دفعةً واحدة، بل يجعلك تنزف حتى تفقد آخر ذرة من روحك. سارحًا ليلًا مع آلامك وآهاتِك، وحبّكَ الذي لم يُعطِكَ إلا أوجاعًا ودموعًا! مؤلمٌ هو إدراكُكَ أنكَ الجاني على نفسِكَ بقبولِكَ حبًّا يفتكُ بكَ بخُبثٍ كل يوم، ليترككَ يومًا طريحَ الفراشِ، وربما مقتولًا... وهل هناك قاتلٌ غيركَ؟ أنتَ الجريمةُ وأنتَ المقتول... فنُغلق القضية بالمجهول. الكاتبة: مرام حسام الكردي تدقيق: ريم عبد الكريم قطيفان تحرير: رهف وسيم رمانة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.