الجعسوس


 

إنه ليس ظلًا، لكنه يحيا في العتمة، يتربص كما تتربص الخناجر بظهور الأوفياء، تراه بيننا يبتسم بوجهٍ شاحب كقمرٍ مسموم، يتقن التلون كالأفاعي، يهمس بالكلمات المعسولة حتى يخدع السمع، لكنه في جوهره جعسوس، خبثه يتسرب كالماء في الشقوق، فلا تراه حتى يطوّقك الخراب، يجيد الاختباء خلف الأقنعة، يراقبك حين تظن أنك وحدك، يتغذى على عثراتك، يفرح حين تسقط، يتظاهر بالشفقة وهو يشحذ سكينه ليجهز عليك، وإن وثقت به ترك بين أضلاعك جرحاً لا يندمل، لأن طعنته لا تأتي بغتة، بل تتشكل على مهل تُغزل بخيوط الخيانة حتى تصير ثوبًا ترتديه في برد الخذلان، والجعسوس لا يعرف معنى الولاء، يبدّل وجهه كما تبدل الريح اتجاهها، يسير بين الناس بوجهين ولسانين، يقتات على الأحقاد، يتلذذ بإشعال الفتن، يبيع الذمم كما تباع السلع الرخيصة، لا يتورع عن هدم جدار الثقة بحجر من وشايته، ولا يتردد في بذر الشكوك كما يبذر الفلاح الحب في أرض قاحلة، 

لكن هل يدوم خبث الجعاسيس؟ لا، فالنار التي يشعلونها تلتهمهم أولًا، وسهام المكر التي يطلقونها تعود إليهم بأضعافها، فمهما تلونوا ومهما أتقنوا الخداع، تفضحهم لحظة الحقيقة، حين لا يجدون أحدًا ليصدق أقوالهم، ولا كتفًا ليميلوا عليه، حينها فقط يكتشفون أن الحياة لم تكن سوى مرآة تعكس قبح أرواحهم، فاللعنة على كل جعسوس ولتحيا القلوب النقية التي لا تتقن إلا الصدق والوفاء.

رجاء عبدالهادي

تم التدقيق بواسطة: عائشة غسَّان. 

تم التحرير بواسطة: قُنوت العبوسي. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.