ضَجِيجُ الفُؤَادِ


 ضَجِيجُ الفُؤَادِ

لَقَدْ كُنْتُ وَاهِمَةً، فَالضَّجِيجُ لَمْ يَكُنْ فِي الْخَارِجِ كَمَا ظَنَنْتُ، بَلْ كَانَ ضَجِيجًا فِي أَعْمَاقِ قَلْبِي، كَانَ صِرَاعًا عَنِيفًا دَاخِلَ فُؤَادِي، وَكَأَنَّهَا انْهِيارًا تَدْرِيجِيًّا فِي أَرْكَانِ عَقْلِي. فَاضَتْ دُمُوعِي كَأَنَّهَا أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ لَا تَعْرِفُ لِلسُّدُودِ سَبِيلًا، تَسِيرُ بِلَا تَوَقُّفٍ أَوْ وِجْهَةٍ. زَارَنِي الْحُزْنُ حِينَئِذٍ وَكَأَنَّهُ الْمَوْتُ بِعَيْنِهِ، زَائِرٌ ثَقِيلُ الظِّلِّ لَا يَنْوِي الْمُغَادَرَةَ، يُحَاوِطُنِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، يُطْبِقُ عَلَيَّ كَأَنَّهُ قَيْدٌ لَا يَنْكَسِرُ، كَأَنَّهُ ظِلٌّ لَا يُفَارِقُنِي.

كُنْتُ أَهْرُبُ مِنْهُ، أَبْحَثُ عَنْ مَنْفَذٍ أَوْ مَأْوًى، وَلَكِنْ أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ شَتَاتُ الْفُؤَادِ وَضَيَاعُ الْمَعْرِفَةِ أَحَاطَا بِي، حَتَّى أَصْبَحَ حَالُ رُوحِي كَبَيْتٍ مَهْجُورٍ، تَتَسَاقَطُ أَرْكَانُهُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى. تَشَتَّتَ حَالِي، وَبَكَتْ رُوحِي بِصَمْتٍ يَعْصِفُ بِصَدْرِي، وَأَنَا أُحَاوِلُ عَبَثًا أَنْ أَسْتَجْمِعَ مَا تَبَقَّى مِنْ شَجَاعَتِي الْمُبَعْثَرَةِ.

كَانَتْ تِلْكَ لَحْظَةً مِنَ السَّعَةِ الَّتِي لَمْ أَعْتَدْ عَلَيْهَا، حَالَةً مِنَ الْخَوَاءِ تَسَلَّلَتْ إِلَى دَاخِلِي وَكَتَبَتْ نَفْسَهَا عَلَى صَفَحَاتِ أَيَّامِي. هَا أَنَا الْآنَ أَحْيَا بِهَا، أُرَافِقُهَا كَرَفِيقٍ أُجْبِرَ عَلَى الْبَقَاءِ، صَارَتْ جُزْءًا مِنِّي، مُلْتَصِقَةً بِكِيَانِي، وَكَأَنَّهَا قَدْ كُتِبَتْ عَلَيَّ لِتُلَازِمَنِي حَتَّى نِهَايَتِي.

عايشه عبدالله مسلم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.