سكسوكة

 

 

   سكسوكةٌ أبقيها في لحيتي، فقد قيل: "من شابه أباه ما ظلم." وُلِدتُ وأبي يكبرني بأحد وعشرين عامًا. لكنه ليس فقط أبي، بل كان أشبه بصاحبي الذي يصارعني ويمزح معي، يكاسرني ويتحداني. يفرح لنجاحي ويُشارك فرحي، وهو من علَّمني قيادة السيارات. حين أجلس خلف المقود، كان يطمئنني أنني قادر على مواجهة العالم، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونسائهم، ومع ذلك، لا أحد يجعلني أرتبك كما يفعل هو حين يجلس بجانبي.

كان هو ذاك الذي أرسلت رسالةً لفتاةٍ فتفاجأت بأن من وصلته الرسالة هو أبي نفسه! ومع ذلك، لم يعاتبني عتابًا جارحًا، بل أدار الموقف بطريقة جعلتني أبتسم بخجل وفخر في آنٍ واحد. أحيانًا أفعل حركات عفوية دون انتباه، فيلاحظها سريعًا، لكنه ينبهني بأسلوبٍ راقٍ لا يُحرجني، فأُسارع بإصلاح وضعي وأنا في قمة سعادتي.

سكسوكةٌ تزين وجهي كما زينت وجه أبي. أذكر مرة كنت مع شخصٍ ما، فقال لي: "سأنام الآن، وإذا ذهب أبي سأستيقظ." فتعجبتُ من موقفه، فأنا على عكسه تمامًا؛ أقضي يومي مبتكرًا ألف طريقة لأذهب إلى مكان عمل أبي فقط لأضحك معه، وأثقل دمي عليه، لكنه لا يشعرني أبدًا بأنني ثقيل. هو أبي الذي يقول لي دائمًا: "اذهب واستمتع"، وهو من يجعل كل جلسة معه سهرة لا تُنسى.

عندما دعاني أحدهم للذهاب إلى الكوفي شوب، سألني: "عندما تذهب، هل تخبر والدك؟" فأجبته: "بالطبع، أخبره وأقول له حتى أي كوفي شوب أذهب إليه." فقال لي: "وإذا أتاك فجأة؟" فأجبت بابتسامة: "يا حلاوة! جلسة إلى جانب أبي لا تضاهيها أي جلسة."

سكسوكةٌ تشهد أن من شابه أباه ما ظلم. أبي الذي جعل من أقرب أصدقائه محاميًا، فأنجب طالب قانون سيصبح محاميًا يومًا ما. أبي الطويل بجثته الممتلئة، وأنا الطويل بجثتي التي تفوقه وزنًا، لكنه رغم ذلك يظل رمزي، مثالًا يُحتذى به. هو المدريدي العاشق الذي أنجب مدريديًا متعصبًا. هو الذي، عندما أتكلم، يقول الناس: "افتكرناك أباك."

منذ ولادتي، كان الناس يكنونني باسمه، يقولون: "ابن رأفت، أبو رأفت." وكأن اسمه تاجٌ على رأس ابني ، حتى قررت أن أسمي ابني يومًا ما رأفت، ليبقى اسمه خالدًا في نسلنا. سكسوكةٌ ورثتها عنه، فأصبحت رمزًا لكل تفصيل صغير يشهد أنني ابنه، ومن شابه أباه ما ظلم.

وسام الدين رأفت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.