بينَ جُنبات الحياة




أَتَرَدَدُ طيلةَ عُمري في المشي بخرائِطَ نسجها الوَهم إلّا في بيت قلبيّ الريفيّ، حيث كانَ فؤادي مطمئِن، نورُ عينايَ لا ينطفئْ حيثما كانت زنازِلُ الخوف بعيدةٌ عني، بعيدةً عن هذا العالم المريع، حيثُ كنتُ ألهو بينَ الأزهار كطفلة صغيرة تعيشُ طفولتها، كفراشة تحلقُ في سماء زرقاء ساحرة .


و بتُّ ألهو بين عتبات الربيع و أوراق الخريف، كطيرٍ هاجرَ لديارِ حبيبه، و أخذتُ أغدو بين الرفاق كترنيمة موسيقية انتشرَ صوتها بين السامعين بشغفٍ و حُب، لم يعرفُ قلبي الخوف من هذا العالم الأليم و لكن الواقع صدمني بقوة و أدمى قلبي حتى أعتدتُ على الألم .


طفلة وحيدة تود العيش على جناح فراشة، أن ينمو شعرها الحريري بعبق زهرة وألا يتلطخ فؤادها بخيبات الزمان كما لو أن في داخلها نهر يسيل حباً ، لاجئة بين المنفى وذكريات الوطن، كلاجئ فلسطيني يسألك بتوهم ما المصير ومتى الرجوع ؟ 

فيجيبونك الزوال والنفي لا محال .


فلا الدار داري، ولا المكان مكاني، عبثت بديار ليست بدياري، وكنت المجهول الوحيد في دياري، منبوذاً لا يعرف لمن ينتمي، مجروحًا، مكسورًا، سُلبت حريته كما تُسلب حياة الطائر عند حبسه داخل قفص، وكان ذلك القفص دياري ، الماضي و آه من الماضي نُدبة مشوهة على جسدي تذكرني بكل الآمي، أريدُ فقط أن أعيدُ حياتي كما فيلمٍ سينمائي لم ألحق بثه المباشر، و غداً أجمل لأنه هديتي فمن سيأخذ مني هديتي عنوةً ؟؟!


سأرمم روحي و أنثر أحزاني بالقمامة، و سأمحو كل الآمي فلا شي يستحق أن تحزن نفسي لأجله، سألحقُ بالسعادة و سألهو بين عتبات الفرح، سأسندُ نفسي بنفسي فأنا لها القوة و الحب و السند ، فوالله ما كان هذا الوجه البريء حزيناً إلا ممن وثقتُ بهم و خذلوني، لم يعلموا بأني سأكون أقوى بعد رمي عثراتهم في طريقي، وقعتُ و تكاثرت سكاكينهم على ظهري، محيطي يجعلني أغمر نفسي بالقوة بين جنبات اليأس و الحزن و إلا كانت روحي من غيرهم مفعمة بالحيوية و الحياة .


كيفَ لي أَلا أَهربُ للسقوطِ و اليأس و أَنا وحيدة كوحدةِ اليتيم بينَ طُلابِ صَفَّه ؟!

وإن كان الحزن يستحق، كفقد الأب مثلاً ؟ 

أَترمم روح الانسان وهلة ؟

أتعود حياته كما كانت ؟

أم أن الجرح الأزلي سيكون بمثابة سكين غرزت بداخل قلبه؟  

كيف له أن يعيش هانئًا مطمئنًا لا يخشى فقدان أحد آخر ؟ 

كيف له أن لا يلبس قناع السعادة، وداخله مليئ بالندبات؟ 

أيذهب حزن الانسان بسرعة ؟ 

أم أن الجرح سيبقى ويخلد في قلبه وذاكرته وحناياه ؟


أما عني فتظاهرت بأن كل ما حدث كان عادياً ، بينما كان يؤلمني جداً، حتى غدوت أكثر الخلق هدوءاً وصمتاً ، أصبحت غريباً في مكاني وبين ناسي، تظاهرت بأن ما حدث كان وهماً وكل شيء سيحل لا محالة، حتى اكتشفت أنني مجرد عقدة تزداد تشابكاً مع عدم امتلاكي حلاً لتلك العقدة أشعر بأن روحي غارقة في عمق بحر مظلم، تطالب النجدة من قروش قاتلة بأنفاس متلهفة، محاولات متعبة وروح خائفة ونفس لا تهدأ، ذكريات باتت مؤلمة عندما تكون جارحة قاتلة فتاكة للروح، تجعلك تكره نفسك أو حتى إغلاق عينيك للحظة حتى لا تتخيل شيئاً آخر يمزق ذاكرتك مجدداً ، و ازدادت عقدتي صعوبةً حتى لم أجدُ لها حلاً 

فـــيا وجعاً أرهقَ روحي دعني بينَ الأيام لوحدي فما عدتُ أرتجي أناساً يسندوني وحيدة حائرة بين ناسي و نفسي لم أعد أعلم ماذا أريدُ أنا ؟!


فعُدتُ أرطمُ رأسي بالحائط أرجو فقد ذاكرتي

و أمررُ السكين الحاد على شراييني محاولة قطعها

و وقفتُ على تلكَ التلة محاولة السقوط 

و رميتُ نفسي بالبحر لعلي أكون وجبة سكانها و نجوتُ

و جلستُ على سِكة الحديد محاولة أن يدهسني قطارٌ عابر و فشلت محاولتي

حتى السماء لم تنجو من أفعالي 

صعدتُ إليها محاولة ارتطامي بطائرة أو صاروخ و عدتُ كما أنا

فتجددَ الأمل بين ثنايا روحي فأنا أستحقُ أن أحاول بتفاؤلٍ

كما حاولت بتشاؤم



وها أنا قد استنفدت كل طاقتي

وانطفئ نور فؤادي

وعدت كما كنت

يقتلني الصمت

وتقتلني الوحدة

ها أنا ذا

أصارع نفسي

وجسدي المنهك

أصارع روحي

وحياتي

فقدت نفسي

وفقدت روحي

ولكن

إلى متى سأصارع كل شيء في سبيل العيش ؟!


إلى متى كل هذا التشاؤم؟

إلى متى سنبقى في دائرة من الوهم والحزن ؟

إلى متى ؟

ربما خسرنا أشياءً كانت بالنسبة لنا عظيمة، ولكنها كانت ستضرنا في وقت لاحق، لذلك الحمد لله على الفقد، والحمد لله على النعم، والحمد لله في السراء والضراء، الحمد لله على كل حال .


ثم أقول ستصلينَ إلى ما تريدين فعيناكِ الجميلتين تنبضُ بالقوة و الإصرار، و نحنُ داعمين لكَ و سنفتخرُ بكِ حتى تصلينَ عنان السماء .


الكاتبة رغد الزهيري

الكاتبة آيار مادليـن


تم التحرير بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.