العِناق الأخير
سَقَمٌ أَصابَ جَدَّتي بِمَشيئَةِ الإِلَه، فَزَعَمَ أَحَدُ الأَطِبَّاءِ بِأَنَّها عَلى وَشَكِ مُفارَقَةِ الحَياةِ. كانَت تِلكَ الكَلِماتُ قادِرَةً عَلى بَترِ هِمَّتِنا وَاسْتِئْصالِ أرواحِنا.
لَكِنْ كانَ لِأَعظَمِ الرِّجالِ رَأْيٌ آخَرُ في ذَلِكَ، الخالُ مَأمون، صَرَخَ في وَجهِ الطَّبيبِ قائِلًا: مَن أَنْتَ لِتَحْكُمَ عَلى النّاسِ مَصائِرَهُم؟
سُحْقًا لِمَن أَعْطاكَ الشَّهادَةَ، فَأَنْتَ عارٌ عَلى الأَطِبَّاءِ.
ثُمَّ بَحَثَ وَسَأَلَ أَطِبَّاءَ آخَرين، لِيَصِلَ إِلى أَنَّها تَحْتاجُ إِلى كِلْيَةٍ جَديدةٍ، لِأَنَّ كِلْتَا كِلْيَتَيْها فَشِلَتا.
سارَعَ بِإِخْبارِ الأُسْرَةِ، لا شَكَّ بِأَنَّهُ لَوَّحَ لَنا بِقَبَسِ نورٍ أَعادَ لَنا أَرْواحَنا.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ، دَخَلَتِ العائِلَةُ في صِراعٍ حادٍّ لِيُحَدِّدوا مَن الَّذي سَيُعْطِي جَدَّتي كِلْيَتَه؟ الكُلُّ يَهْتِفُ بِأَنَّهُ الأَحَقُّ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُم غَفِلوا عَن كَوْنِها أُمَّهُم جَميعًا.
أُمِّي كانَت عَلى وَشَكِ الوِلادَةِ، رُغْمَ ذَلِكَ بَكَتْ بِحُرْقَةٍ عِنْدَما اسْتَثْنَوْها لِتَبْتَعِدَ عَن هذِهِ المُهِمَّة.
لَمْ يَمُرَّ يَوْمٌ، إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ خالي جَدَّتي إِلى المُسْتَشْفى مُقْنِعًا إِيّاها بِأَنَّها لَنْ تَخْضَعَ لِعَمَلِيَّةٍ، فَهذا لَيْسَ سِوى مَوْعِدٍ عادِيٍّ.
في تِلْكَ الأَثْناءِ، اتَّفَقَ مَعَ كادِرِ الأَطِبَّاءِ لِيَتَبَرَّعَ لَها بِكِلْيَتِهِ دونَ إِدْراكِها. لَمْ يُطْلِعْ أَحَدًا عَلى الأَمْرِ، أَبْقاهُ سِرًّا مَعَ نَفْسِه.
بَعْدَها عَلِمنا بِفِعْلَتِه.
تَلاشَتِ الأَيّامُ بِسُرْعَةٍ عَجيبَةٍ، لِيُخْبِرَنا الأَطِبَّاءُ أَنْ لا يَجِبُ عَلَيْنا رُؤْيَةُ جَدَّتي وَلا الاِقْتِرابُ مِنْها بِتاتًا؛لِأَنَّ مَناعَتَها ضَعُفَتْ وَتَدَهْوَرَتْ.
كُنّا نَلْتَقي بِها مِنْ خَلْفِ الزُّجاجِ، أَو عَلى مَسافاتِ أَمْتارٍ، تَأْتي وَتَرْكُضُ لِتَهُمَّ عَلَيْنا، كَأُمٍّ وَجَدَتْ أَطْفالَها بَعْدَ غِيابٍ طَويلٍ، لَكِنَّهُم يُسارِعونَ بِإِمْساكِها، فَتَنْهَمِرُ بِالبُكاءِ وَتَصْرُخُ: أُريدُ اِحْتِضانَهُم.
اِنْتَهَتْ تِلْكَ السَّنَةُ المُضِجَّةُ بِالأَحْداثِ المُوحِشَةِ.
عِنْدَ دُخولِ السَّنَةِ الجَديدَةِ تَحَسَّنَتْ صِحَّةُ جَدَّتي قَليلًا. في ذاكَ اليَوْمِ كُنْتُ عائِدَةً مِنَ المَدْرَسَةِ، طَرَقْتُ البابَ وَأَطْلَقْتُ السَّلام. رَدَّتْ أُمِّي: "إِسْرااااء، لَدَيْكِ مُفاجَأَةٌ". أَنا، مُفاجَأَةٌ لي أَنا؟ وَجَدْتُ خالي مَأمون فَأَطْلَقْتُ ضِحْكَةَ الترحيب، ثُمَّ بَعْدَها قالَتْ أُمِّي: "لا، يا غالِيَتِي، لَيْسَتْ هذِهِ المُفاجَأَةُ." أَدَرْتُ الكَنَبَةَ لِأَرى جَدَّتي.
إِنْهَمَرْتُ بِالبُكاءِ، وَلَمْ أَتَمالَكْ نَفْسي، هَجَمْتُ عَلَيْها مُتَجاوِزَةً كُلَّ تِلْكَ الخُطوطِ الحَمْراءِ الَّتي وَضَعُوها الأَطِبَّاءُ. أَمْسَكْتُ يَدَها وَظَلِلْتُ أُقَبِّلُها قُرابَةَ العَشْرِ دَقائِقَ، اِحْتَضَنْتُها بِشَراهَةٍ وَأَخْبَرَتُها كَمْ أشْتاقُها .
كانَ ذاكَ العِناقُ بَعْدَ سَنَةٍ كامِلَةٍ مِنَ الفِراقِ وَالبُعْدِ.
بَعْدَها بِسَنَةٍ فارَقَتْ حَبيبَةُ خاطِري الحَياةَ وَوَدَّعَتْنا لِلأَبَدِ، أَتَمَنّى أَنْ تَكونَ الآنَ بِحالٍ أَفْضَلَ وَأَنْ تَجْمَعَنا جَنّاتُ النَّعيمِ.
إِسراء السعدي
تم التحرير بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة

تعليقات