| الانفراد بالذات|
في صمتٍ لا يُدرَك إلا حين ينحسر ضجيج العالم من حولنا، تكمن قيمة الانفراد بالذات، كقيمةٍ روحانيَّة تسافر بأرواحنا إلى أقاصي حقائقنا، في هذه اللحظات تكون عزلتُنا ليست بالهروب ولا بالانسحاب، بل هي عودة نقيّة نحو أعماقنا، حيث لا قناع ولا حدود ، نخلع عنّا وجوهنا الاجتماعيّة، ونرتدي وجهنا الصافي، ذلّك الّذي لا يظهر إلا بيننا وبين أنفسنا.
في الانفراد بالذات تتكشف لنا حكاياتنا التي أهملناها، حكاياتٌ دفنتها مشاغلُ الحياة وغبار الأيّام ، نواجه فيها ضعفنا دون خوف، نحتضن وجعنا دون انكسار، ونتعلم أنَّ السّقوط ليس نهاية، بل بداية لرحلةٍ أعمق نحو نضوجٍ يتناغم مع أرواحنا.
قد يُخيفنا الانفراد لوهلة، فهو يعيدنا لحقائقنا المجردة، ولكن مع الوقت نفهم أنّه الضّرورة التي تكسر جمود حياتنا، وتعيد إلينا البساطة النقية التي نبحث عنها في قلب التعقيد ، نتعلم أنَّ الجمال ليس في البحث عن إجابات تملأ الصمت، بل في القدرة على احتضانِ الصّمت ذاته كصديق قديم.
حينما ننفرد بأنفسنا نرى حياتنا من زاويةٍ أصفى، ونرتب أفكارنا كأوراقٍ متناثرة نعيد جمعها بلطف ، نشعر بصفاءٍ جديد ينعش أرواحنا، كأننا نستقبل الحياة بعيونٍ جديدة، ونُدرك أنَّ وحدتنا لم تكن فراقًا بل لقاءً، لقاءً أعادنا لأنفسنا، لنرى عالماً أعمق يتكشف في دواخلنا، كعالم لم يكن ينقصه سوى لحظة صمت.
الكــاتبــة رانــيـــا محمـــود العـــابـــد
تم التحرير بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة

تعليقات