رحلةُ الروحِ بينَ الظّلامِ والنّور




أَنتَ تَسيرُ وَحدَكَ، في طَريقٍ هَادئٍ يَمتدُّ تَحتَ أَقدامِكَ كَأنَّهُ دَعوةٌ لِلغَوصِ فِي عُمقِ الرّوحِ، يَلفُّكَ الظَّلامُ مِن كُلِّ جَانِبٍ، لَكِنَّكَ لَستَ خَائِفًا؛ فَاللَّيلُ يَحمِلُ سَكِينَةً خَفِيَّةً، وَيُعانِقُكَ بِضَوءِ النُّجُومِ كَأَنَّهَا مَصَابِيحُ خَافِتَةٌ تَهْمِسُ بِوُعُودٍ بَعِيدَةٍ.


تَتَقَدَّمُ بِخُطُواتٍ بَطِيئَةٍ نَحوَ الأَضْوَاءِ الَّتِي تَتَلألأُ مِنَ القَرْيَةِ البَعِيدَةِ، كَأَنَّهَا نِدَاءُ دِفْءٍ يَدعُوكَ لِلعَودَةِ، أَوْ رُبَّمَا نِدَاءُ الأَمَلِ بِأَنَّ هُنَاكَ مَا يَنتَظِرُكَ فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ، السَّمَاءُ فَوقَكَ مُترَامِيَةٌ، نُجُومُهَا كَحُرُوفٍ مَكْتُوبَةٍ بِلُغَةٍ لَا يَفهَمُهَا إِلَّا مَن تَجَرَّأَ عَلَى السَّيرِ فِي طَرِيقِ الوَحدَةِ.


فِي هَذَا المَشهَدِ، تَشعُرُ بِأَنَّكَ تَسيرُ لَيسَ فَقَط نَحوَ القَرْيَةِ، بَل نَحوَ جُزءٍ مِن ذَاتِكَ لَم تَعرِفْهُ مِن قَبلُ ، تَشعُرُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ طَوِيلٌ وَصَعبٌ، لَكِنَّكَ تَعلَمُ أَنَّكَ أَقوَى مِن كُلِّ ظَلَامٍ، وَأَنَّكَ قَادِرٌ عَلَى الوُصُولِ، لِأَنَّكَ تُؤمِنُ بِنُورٍ يَسْكُنُ قَلبَكَ حَتَّى وَإِنْ لَم يَكُنْ مَرئيًّا لِلآخَرِينَ.


هَا أَنَا أَرَى رِحلَةً تَبدَأُ مِن الظَّلامِ إِلَى النُّورِ، مِن العُزلَةِ إِلَى الِاندِمَاجِ ، شَخصٌ أَنَا أَسِيرُ وَحِيدًا فِي طَرِيقٍ هَادِئٍ، تَلفُّنِي الطَّبِيعَةُ وَصَوتُ الصَّمتِ العَمِيقِ، أَمَامِي أَضْوَاءٌ خَافِتَةٌ لِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، تَبدُو كَوَجهَةٍ بَعِيدَةٍ وَمَلاذٍ دَافِئٍ ، فَوقِي سَمَاءٌ مَرصَّعَةٌ بِالنُّجُومِ، تُشِيرُ إِلَى اِتِّسَاعِ العَالَمِ وَالأَحلَامِ اللامَتنَاهِيَةِ، وَإِلَى تِلكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي تَجعَلُنَا نَرفَعُ رُؤوسَنَا وَنُفَكِّرُ فِي عُمقِ الحَيَاةِ وَقَصَصِهَا.


لَيسَتْ هَذِهِ مُجَرَّدَ صُورَةٍ لِطَرِيقٍ فِي اللَّيلِ، بَل تَجسِيدٌ لِرَغْبَةِ الإِنسَانِ فِي الوُصُولِ، فِي العُثُورِ عَلَى مَعنىً، وَرُبَّمَا فِي العَودَةِ إِلَى مَكَانٍ يَنتمِي إِلَيهِ.


تَنظُرُ لِلأَمَامِ، تَرَى الطَّرِيقَ يَمْتَدُّ، وَتَشعُرُ بِأَنَّ القُدرَةَ عَلَى الوُصُولِ لَيست فِي بُلوغِ القَرْيَةِ، بَل فِي كُلِّ خَطوَةٍ تَخطُوها نَحو نَفسِكَ، تَتَأمَّل، وَتَبتَسِمُ لِلظَّلَامِ الَّذِي صَارَ صَدِيقَك، وَتُدرِكُ أَنَّ النُّورَ الَّذِي بَحثتَ عَنهُ فِي الطَّرِيقِ قَد كَانَ يَنبُعُ مِن دَاخِلِك طَوالَ الوَقت.



الكَاتِبة : آية الهور


تم التحرير بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.