الطيفُ الأُنسي
مرت على هذه الحال سنوات عدة، أجلس أنا وما تبقى مني، أحتضن دموعي وأواسي نفسي بنفسي، أحيانًا أندب الماضي وأبكيه، وأحيانًا أرقص كالبلهاء، تارةً أستشيط غضبًا دون سبب، وتارةً أضحك دون نكتة وبفعل هذه الوحدة النكراء؛ بدأ يخيل لي طيف أحدٍ يجلس معي في الغرفة، في البداية صعقتُ رعبًا، وتَصبّبتُ عرقًا لكنَّ الله خفف من روع نفسي بأن ألهمني أنَّ هذا الطيف قد سخره ليؤنس لي وحدتي واغتراب روحي
وبالفعل أصبحنا أنا والطّيف خليلين مقربين، نسهر الليل كله، نتبادل الأحاديث ونبوح بالأسرار، كان الطيف حنونا جدًا، يضحك لفرحي ويتلوى لحزني، أحيانًا كان يداعب خصلات شعري، وأحيانًا أنام بين ذراعيه، كنت أصاب بالتعجب إزاء خصال هذا الطَّيف الغريبة، فهو يختفي تلقائيًّا بمجرد قدوم أحدهم،
بدأت البشر تتعجب من انعزالي الدائم في الغرفة ،حتى إن أمي سمعت صوتي لأكثر من مرة وأنا أحدثه فتسألني من وراء الباب : مع من تتحدثين يا أوفيليا ؟ فأكذبُ وأُجِيبُها : "مع أصدقائي في الهاتف يا أمي " .. مرث شهور كثيرة، قضينا ألطف الأيام، لكنني بدأتُ أشعر بالضجر كونه يتهيأ على شكل طيف فقط، فتوسلتُ إليه كي يظهر في قالبه الحقيقي، وأن أراه كما يراني، بكيتُ بحرقة ولوعة، فاقترب مني وكفكف دموعي عن وجنتي، وأخبرني بأنه ليس بمقدورهِ فعلُ ذلك ،تَجرعتُ الصّبر وابتلعتُ دموعي، وتجلّدتُ لأيام لا بأس بها، ثم عاثَ الشَّيطانُ خرابًا في رأسي، فقررت أن أخاصمه وأقرعه، وأبثّ عليه الشتائم والاتهامات كي أستفزه وأثير غضبه؛ فيظهر لي بشخصه الحقيقي حتى لو أراد أذيتي، وعندما جاء؛ أظهرت على وجهي تعاليم الاشمئزاز والقرف، ونظرتُ إليه نظرة استصغار وكره، ومالبث أن سألني ما الخطب ؟ حتى بدأتُ رشق الكلام كرشق السهام
صمت الطَّيفُ دون حراك وجَمُدتْ نظراته ببأسٍ
شدید، ارتعشت ضربات قلبي خوفًا لكن آثرتُ على أن أبقى رابطة الجأش، قويةً، معقدة الحاجبين انتظارًا لرد فعله، لكن ولأسفي الشديد تلاشي الطيف واندثر، وبقي على أرض الحجرة حبيبات من الرماد الاسود أحسستُ روحي تشضّتْ، ونور عيني أنطفأ، كل خلية في جسدي بدأت تلعنني شعرت أن تلافيف دماغي صاغت من نفسها حبل مشنقتي، بدأت أبكي وأحوم وأصرخ واستنجد الله ،لكن دون جدوى ،عدت إلى حياتي الأولى، سهر مطوّل، نحيب وبكاء، بدأت صحتي تتدهور شوقًا للطيف، حتَّى أُصبتُ بِحُمّى خَطِرة، أصبحتُ لا أقوى على الإيماء بالنظر، كالجثة ملقية في فراشي، ورأسي يغلي كما لو أن بداخله بركان ثائر ،فجأة وضع أحدهم يده على رأسي، وهمس في أذني :
"أحبك أوفيليا"
شَخُص بصري وجحظت عيناي
ظننت أن هذه مجرد تخيلات بسبب الحمى اللعينة ،فأغمضت عينيي وذرفت دموعي بغصة، لكن سرعان ما أُعيدت الكلمة، وأحسست بأنفاس أحدهم خلفي، أدرت ظهري وقلبي يخفق باستنكار مبهم، فإذا ب "هملت" ورائي، الشاب الذي أحببتُهُ منذُ أن أبصرتُ الحياة، معشوقي الذي أخبروني أنه قد توفي غرقًا بإحدى أنهار ماليزيا، ولم يقدرون على المجيء بجثته، بدأتُ اصرخ : أنتَ حيّ !! نعم كنتُ أعلم نعم
لكن يامجنون كيف دخلت إلى حجرتي ؟ لو علم أحدهم بأمرك هنا سنقتل سويًا، فقال : كنت دائما معك أوفيليا دائمًا ، لكن على هيئة طيف، أو تحسبين أنني
أستطيع فراقك؟!
عانقته حتّى شعرتُ أنَّ عظام صدري التوت، شعرتُ بأن جلدي وجلده قد ذابا ودمجنا بجسد واحد، كأن شراينه تصُّبُ في شرايني، وكأن خلاياه تنبض بداخلي، عانقته كيتيم يعانقُ قميص أمه،كفقير يعانقُ الرغيف.
شعرت أن مرضي انتسف من جسدي كما ينسف الله الجبال، بدأنا نتسامرُ ونتحادثُ عن الأَيامِ التي مَضَتْ بفرح شديد . فجأة البابَ يُقرعُ
أمي تصرخ "افتحي الباب أوفيليا"
من في الداخل ؟"افتحي الباب بسرعة" بدأت ألطم على وجهي، ويلتاه ياهملت، سوف نقتل سويًا بتهمة العار، لن يصدق براءتنا وطهرنا أحد نظرنا إلى بعضنا نظرات تملؤها الحيرة، والباب يكاد يخلع من قوة الطرق ،بدأتُ أصرخ : سنقتل سنقتل سنقتل "هملت" يحاول أن يغلق لي فمي، والباب لايزال
يقرع بقوة بقوة بدأنا نبحث بتحير شديد،أين المهرب ؟! لكن كما عندما يجمع الله البشر إلى يوم القيامة، فلا منفذ لنا كي نهرب
قرع الباب يزداد قوة، وأمي تصرخ : "للمرة الأخيرة،
افتحي الباب أوفيليا، وإلا سيُخلع
قلت ببؤس شديد، وكأنني أنطق آخر كلماتي : سنقتل هملت سنقتل
حتى دخلت أمي الغرفة، ورفعت الغطاء عني وقالتْ بحزنٍ طاغ : "أوفيليا، بنيتي، ماذا حلّ بك؟؟ "
وأنا لازلتُ أصرخ في فراشي : "سنقتل سنقتل" حتى سكبت كوب ماء على وجهي، ففتحت عينيي، وتأملتُ المكان من حولي، لم يكن هناك أحد فقد كأن يتهيأ لي أنه بجانبي فقُلت في نفسي : أُكْرَهُكَ أَيُّهَا الجن اللعين
شذى عابودي
تم النشر بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة

تعليقات