حنينُ الطفولة




  من منظورِ بوابةِ الولوجِ إلى المستقبل، هي تلك المرحلةُ المميزة التي تُعد من أهم مراحل عُمر الإنسان، والتي تحدد مصيره وتمتلئ بمكاسب التعلم سواء كانت قيمٍ أو مهاراتٍ حياتية، فهذه هي مرحلة الطفولة فما أجمل شوقنا لها، وما أروع حنين الطفولةِ عند الكِبر.

عندما تمّر بك الأيام تتجاوز المَراحِلَ من غيرِ إدراك، حتى تُصبحَ بلحظةٍ ما تحنُّ إلى ما كُنتَ عليه، فهنا نُدرِكُ في مرحلةِ الشباب أنَ حَنينَ الطفولةِ قد غُرسَ في الأضلع، فلا تُنسى لحظات الشقاوةِ من البالِ، ولن يتوقّف شوقك إلى شعورك بعدم الإكتراثِ فيما قيلَ أو لُزِمَ عليك، فإضاعةُ الوقتِ كان روتينًا للعبِ والضحكِ والمرح، والآن أصبح جلّ ما كان عليه معكوسًا، فحتى وقتُ الفراغِ لم يعد يَقرَبُنا، وأصبحَ ضَغطُ الحياةِ يُجبرُنا كي نَحِنُّ أكثر، فلا يُغادرُ الذاكرةُ ما كان حلاوةَ العُمرِ، فالطفولةُ تُعَدُ هي المرحلةَ التي تجمّل عمر الإنسان، فهل يَنسى جيلُنا مشاهدة التلفاز وإنتظارَ الحلقاتِ التي كانت في ذاك الوقت من أحبُ الساعات إلينا، أو سماعُ الأطفالِ يندهونَ في الطرقِ لِجمعِ بعضِهم البعض، كي يبدأوا بلعبِ الكُرةِ أو أصواتِ الأجدادِ في الزققِ حين يتنافسونَ على لعِبِ الطاولةِ، وجدتي التي تحت الشجرةِ هل تُنسى رائحةُ خُبزِها التي حتى الطائرُ كان يأتي من آخر الجبلِ كي يتذوقهُ، وما أجملَ الشهرَ الفضيل الذي تُصبِحُ فيهِ لَمةُ العائلة تعويضًا عظيمًا للشوقِ الذي مُليءَ القلب به، أو ما أجملَ ذاكَ العيد الذي أتنافس بهِ مع إبنةُ عمي من فينا ستجع عيدية أكثر من الأخرى، حتى مذاقُ كعكِ العيدِ الخاصِ بأمي أصبح بهِ طعمُ الكِبر، فهو ما ذَكرَني بِحَنينِ الطفولةِ، فحينها لم يكن الشيب قد خالطَ سواد شَعر أُمي، حتى مُزاحُ والدي وضحكاتهِ إتضح عليهما أثرُ الكِبر، فقهقهات أبي قلّت وصوته تعب بعض الشيء، فربما إختصرت تلكَ التغيرات والتحديثات ب "حَنينُ الطفولةِ" ذلك المصطلح الذي انغمست بين طيّاته مشاعر لا يمن للذاكرة أن تستغني عنها، حتى أشعر بأنني لو أخرجتُ جلّ ما في صدري لربما فاضَ من داخلي كمًّا لامنتهي مما يجعلني أتخيل بأنه سيكون قادرًا على إغراق العالم بأسره .

أشعر بأنّ بذرة التفاح التي زرعتها أنا وأختي في طفولتنا وأصبحت الآن شجرة كأنها تثبت لي أنني كبرتُ حقًا، حتى ضجةُ العالمِ الآن كانت سكينَة في الصِغَر، فلم أخطيء حين صوّرت هذهِ المرحلة على أنها مرحلةِ الولوجِ إلى المُستقبل، أو بأنها المرحلةُ المميزةُ من العمر؛ لأنها تُعدُ أولَ حجرٍ أساسي ليكمل الإنسان سبيلاً يرتكز على ما تلقّاه وعاشاه في تلكَ الفترة، حتى البساطةُ في منظورِنا الحالي كانت بِنسبة لنا كفيلة لرسمِ بهجةٍ على وجوهنا، فلم نكن نعرف الألم إلا على هيئة خدشٍ نتعرضُ لهُ نتيجةِ شقاوتِنا، ولكن حينَ تجاوزنا تلكَ المرحلةِ أدركنا أنَ الألم أنواع وأشكال، وأدركنا حتى أن لا أمل بلا ألم.

حيثُ كُنا دائمًا ندعي أن تمضي الأيام بسرعة لنُصبح كِبارًا، وأحيانًا كُنا نُقلدُ الكِبارَ في تصرفاتهم وأفعالهم، ها نحنُ اليوم نتمنى بكل رجاء أن يَعود بنا الزمنُ إلى الوراء؛ لِنسرقَ مِن تِلكَ اللحظاتِ الجميلة لو القليل، لكن هيهات أن يتحقق هذا التمني،

فهكذا تُطوى صفحاتُ أيامِنا صفحةً تلوَ صفحة، وتتساقطُ أوراقُ عُمرِنا من شجرة الوجود، ورقةً تلوَ ورقة، ولا يبقى منها سوى تلكَ الذكرياتُ الجميلة العالقةِ في الأذهان، التي لا تموت بل تستمر بالنبِض في أعمق بقعة من الذاكرة.

آيات مؤيد بعارة


تم النشر بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.