بقايا وطن

 



أستوحي كلماتي من جرح عاشه

معظم الناس في وطني

من حب و فراق و ألم

من مأساة ربما التاريخ لم يسرد مثلها

و كوابيس مزعجة باتت لا تفارقنا

ربما تكون عند بعض الناس سيرة عابرة أو

 حكاية عند البعض الأخر من عصور غابرة

مثل قصص روتها بالقدم جدتي

عن الغول و الضبع كي أحتضن مخدتي

بالصغر كنا نعدها قصص أسطورية

كبرنا و أدركنا أن تلك الوحوش حقيقية

لا يشعر بمرارة السم إلا من تذوقه

و لا يشعر بالألم إلا صاحبه

يا ولدي دعني أسرد لك قصتي

عن حلم مرعب لا يكاد أن ينتهي

كانت مثل شجرة خضراء عامرة

تزينها خيوط الشمس البارقة و

تتدلى منها عناقيد الثمر الفاخرة

تحمل على أغصانها أعشاش ساكنيها

تسمع ترانيمهم في كل أرجائها

 تطعم عابر السبيل من ثمرها

و تروي الظمآن من ساقيتها

بكل ألوان الزهر نسج مرجها

كثوب أميرة غفت تحلم بفارسها

و في ليلة مظلمة باردة

هبت رياح عاتية

و استوطنت أسراب الغربان أغصانها

و استظلت كل ضباع الأرض بفنائها

و قتلت و هجرت من في أعشاشها

فاحت رائحة الموت في أرجائها

و بلون الدم جرت ساقيتها

و هرعت كل وحوش الأرض لاغتصابها

تطايرت أوراقها في الأرجاء

و أصبحت عارية بلا رداء

مزقت مخالب الوحوش ثوب أميرتنا

و داسوا بأحذيتهم زهور حديقتنا

وطن ضاع بين طيات الزمان

و بات غابة في عالم النسيان

أصبح فيه دم الإنسان غنيمة

و سكن بيوته وجوه غريبة

أصبحت قرانا أطلالا

و حدائقنا تسكنها أشباحا

دفنت أحلامنا في توابيت

و بقيت ذكرياتنا تحت ركام البيوت

سجن الحب و قيد بالقيود

و تفرق الأحبة بين أسلاك وحدود

ركبنا أمواج البحار نبحث عن أوطان

صارعناها هاربين نبحث عن الأمان

منا من غار في قاع البحار بلا ثمن

و رست حقيبته على شواطئ الأمل

و منا من قذفته أمواج الحياة

على قارعة اليأس و تاه ببحر الزمن

 تحت الارض صرخات أرواح لا تسمع

تنهش اجسادها وحوش لا تشبع

لم يبقى هناك إلا أجساد بالية

و وجوه مسودة و أمعاء خاوية

أستبيحت العذارى و دنست طهارتها

و بكت الثكالى براعم زهرتها

قتل الشيخ و الطفل في المهد

و أحرقت جنان الزيتون و العنب

حتى لو قطعوا أشجار التين و الزيتون

لن يدفنوا حضارة غابرة السنين

يا ولدي

أشتاقت شوارعنا لهمسات المحبين

أرصفتها شاهدة على قصص العاشقين

غزى الشيب ريعان شبابنا

و تمزقت صفحات من أعمارنا

سيشرق الفجر و يزول الظلام

و يأتي جيل بعد جيل يحيي الأحلام

و تنمو جذور شجرتنا من تحت الركام

 سيحيي تلك الأرض أبنائنا

فهم المفاتيح لأقفال أحلامنا

و ستنبت حقولنا بالسنابل الذهبية

و تعود ليالي الحصاد الندية

و تزرع الشوارع و الحدائق بالياسمين

لتنفض رائحة بارود تلك السنين

يا ولدي

 دع سلاحك العلم و الإيمان

فبها تبنى و تصان الأوطان

و أنقش على أسوار القلاع قصتنا

لعلها تروي للزائرين بعضا من جرحنا

و ضع أكاليل الزهر على شواهد منازلنا

و علق قناديل العشق بأزقتنا

و أرسل الياسمين مع طيور الزاجل المسافرة

لعل عطرها يعيد أسراب الطيور المهاجرة

يا ولدي

إزرع السهول قمحا و الحدائق زهرا

و الجبال شجرا و الصحراء نخلا

و أصنع من بقايا الأشجار أقلاما

و من دم الشهداء مدادا

و من غناء العصفور لحنا

و من بقايا المدافع نصرا

يا ولدي

إحفر على سيقان الأشجار إنشودة عشقنا

لعلها توقظ أميرتنا من غفوتها

يا ولدي

إن وجدت سيدة تجلس على حجر

على بعد خطوات من منزلنا

أقطف لها زهرة من حديقتنا

فإنها قد اعتادت منذ الصبا

على عطر زهرنا

الكاتب خالد راشد....سوريا


تم النشر بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.