"نَصلُحُ ولو كُنا حُطاماً"




افقتُ من نومي فزعًا، وفي أذني يَمُرُ هتاف وضحكات هادئة جدًا، اخْتلست عيناي نظرة من الخارج اِنتعش بها قلبي،كان سيما الناس مُذهِل وكأنهُ يوم النصر ،أنظر إلى إخوتي برهبة وكأن الوقت يتوعد لنا بحدث مؤلم لكن هيبة اللحظة تجعلنا نتغاضى أي شعور محزن.. ينظر إلي أخي محمد، ويهتف علي: "إنَ النصرُ قادم" أما أحمد فهتف، "هزمناهم، نحن الأقوى..!" 


يبلُغ عُمر إخوتي التوأم سبعةُ أعوام وأنا أَكبُرُهم بعامين، خطف الموت والدي بعد ولادة توأم روحي بعامٍ واحد، بقيت والدتي جبرًا من الله لقلوبنا نِعمَ الأُم والكتف الثابت الذي لا يميل ولو مالت الجبِالِ عليهِ حِملًا، حلَ الصباح وليتهُ لم يُحل، إشتدت الدُنيا  على قلوبنا كان يوم مليء بالسواد، نشبت الحرب وعلا الصُراخ وبدأ الخوف يستوطن القلوب واشتعلت نيران العدو وضيَّقَ الحِصَارَ على المدينة، اختبأ إخوتي تحت جناحي والدتي الحبيبة، أنظر إليهم بلمعة عين لكني لا أستطيع البكاء، فأنا رجُل البيت، يرتجف قلبي  عليهم ويغرق عقلي  بمتاهة التفكير…. 


موطني الحبيب يُدمر أمام عيناي، غزة الحبيبة تُهدم، إخوتي يرتجفون بردًا …. قُطعت الكهرباء والماء، وقل الطعام، وارتفعت الأسعار، وخلت المساكن.. وبحكم أنني الأخ الأكبر كان أمر تسلية إخوتي يُترك لي، آخذهم معي صباح كل يوم للحصول على الماء أو لقمة من الطعام، ذهبنا بروح خفيفة بخفةِ فراشة، وعُدنا وقد أصبح على قلبنا حمل من الجبال... رُشَ الرصاص ورُمِيت الصواريخ وكان لبيتنا نصيبٌ من  أولها، ولسوء الحظ خطفت منا والدتي، ضوء العين ونور الحياة، ذهب الأمان وأُجبِرنا على النزوح، لم تكن أي زاوية أمنة، بعد استشهاد والدتي كان الرعب يملأ كل مكان، بقي أمر العناية بإخوتي ليّ، لم يكن صعب بقدر صعوبة اقناعهم بأن والداتهم أصبحت على عتبات الجنة…أقص عليهم قصة قبل النوم كُلَ يوم، تارة لسلب فكرة الجوع الشديد من عقلهم، وتارة لمحاولة تعويضهم عن فقدان والدتي، كنت أنتظر غفوتَهم لأبحث عن مسكن نُداري به أنفُسنا، كُنا نقطن بينَ جدارين وتتسلل حبات المطر من بينهما، لم يكن الأمر سهلًا فقد كلفني فقدان جزء من روحي، بعد ذهابي فجرًا للبحث عن مأوى لهم،  عُدت ووجدتهم يرقدون بكل براءة، إقتربت منهم لأسمع نفسهم  إنها عادتي التي ورثتها عن والدتي فقد كانت تفعل هذا كل يوم للتتأكد بأننا على قيد الحياة، ولكن للأسف استيقظ أحمد ولم يفق محمد.. قد ماتَ أخي من شدة الجوع كاد قلبي أن يخرج من هول المشهد ينظر أحمد لجثمانِ توأمه وكأن روحه ستخرج لفراق أخيه، بِتُ أقنعهُ بأن أخونا الآن بأمان بجانب والدته إنهما في جنان الخلد، وسننال شفاعتهم لنا يوم القيامة، باتت الحياة باهتة، لم يعد  لها لون أبقيت حسرتي داخلي، كنت أكرر في نفسي دائمًا: "ابقَ قوياً! كُن سنداً لأخيك، لم يبقى لهُ سواك لم يعُد أحمد يخرج من بين أضلُعي، أصبحت أمانُه بعد فقداننا لبهجة الحياة، أصبحت لأحمد اخ وصديق وسند وعون بعد الله.. اشتد القصف على المكان الذي كنا نعيش فيه، واضطررنا للنزوح ثانية ومن شدة خوفي على أخي أن يموت جوعًا.. مثل أخيه لم أرُد أن أذهب به لمكان خالٍ بل اخترت مدرسة يملؤها الكثير من النازحين، كان شعور العيش بين أُناس بقمة الأخلاق جميل جدًا يدخل على القلب السرور، علمًا بأنه لا يضاهي ضجيج العائلة، أصبح لدى أخي صديق وكان يشبهه في صفاته والغمازة التي تُزين وجنته، ويتشاركون الاسم نفسه، كانَ يلعب دائمًا حول والدة صديقه، إنها امرأة بقمة الأخلاق يلجأ إليها الجميع تُعتبر حالتهم ميسورة قليلًا كانت تصنع الحلوى وأنا أذهب لبيعها لها وأعود محملاً بالأطعمة القليلة التي تكفي لسد جوعنا، كانت تصنع لنا الطعام بشكل دائم ولكن شاء القدر أن يحدث ما لم يكن بالحسبان ويأتي خبر وجوب إخلاء المدرسة، فقد ذهب الجميع بطرق مختلفة وعُدنا أنا وأخي لحالتنا المعتادة نجلس في الطُرقات تارة ونذهب للمسجد تارة ولكن بعد عناء وأيام من سيرنا على أقدامنا وجدنا مستشفى للنازحين.. وكان أخي يحتاج لعناية بعد ان التوى كاحلُه ولكن لم يكن يتوفر الا معدات بسيطة للعلاج، بِتُ أياماً احملُ أخي على كتفيّ؛ لنجد ملجأ يحتوينا، بقينا في المكان ذاته كلما يستوطن الخوف قلوبنا كنت أتلو آية من كتاب الله ترددت بأذني من ذكرى والدة صديق أخي أحمد، كانت تطمئن قلوبنا بها دائمًا.. قال تعالى:  ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾.. 


كُنتَ أطمئن قلب أخي بها دائما ؛ليستشعر عظمة الله، و ليُحفر  في ذهنه أن والدتي وأخي في ذمة الله وحفظه، لم يتوقف أخي عن تذكار قصص توأمه أبدًا وكنت أهون عليه بهذه الآية دائما.. 


تمُرُ الأيام حتى بدأ العدو ينسحب ،ويخلي المدينة بعد أن فقد الأمل بأن نُهزم، نحن نُصلح داخلنا حتى وأن هُزمنا من الخارج، يولد طفلنا وقد سبقت كلمة النصر جميع الكلمات عند خروجها من فمه، نولد والقناعة بأننا منصورين دائما ،بإذن المولى هي طاقتنا للعيش، نحيا هُنا ما دامت الروحُ بالجسد،

تمر الأيام والسنين، ونحن نتعايش مع بشاعة الأحداث ونحاربها بقوتنا وعزيمتنا التي قُهر منها العدو . بدأت بالعمل كصانع حلوى في مصنع قريب من مكان عيشنا، وبمقابل بسيط جدًا من المال لأعيش انا وأخي، لم يطاوعني قلبي بأن أجعل أخي يتخلى عن دراسته من أجل العمل فبقيت أحمل مسؤوليته.. أكمل أخي الثامنة عشر من عُمره وأصبح معاوناً لي في عملي وأكملنا ترميم وعمارة بيتنا و بدأنا نتأقلم على هذا النظام الجديد،أكمل أخي في مسيرته الجامعية وأصبحت انا أبحث عن عمل جديد للحصول على معاش يكفي لعيش حياة هنية، عند سماعي صوت الأذان كعادتي اخذت بي قدماي إلى المسجد، أقمتُ بهم الصلاة وأنا أتمتم بدعوتي المعتادة أن يرزقني الله العمل الحلال الذي أتلذذ به مهما كانت قساوته، وقبل أن أختم دعوتي بآمين احسستُ بيد تلمس كَتفي أمْنّتُ ونظرت، وإذ به إمام المسجد يقدم لي عرض بأن أكون له مُعين بقيام الصلاة لأن حنجرته الذهبية أصبحت تُتعِبُه، دمعت عيني وكأن الله أراد لحلمي أن يتحقق، لحْظَتَها قبلت عرضه دون تردد فتالله انها اشرف مهنة يمكن ان يحصل الانسان عليها..

وها أنا الان متطوع في تحفيظ القرآن وإمام في بيت الله…لن ولم نُهزم فالحياة دائمة ما دُمنا نحيا بها.


بريشة قلبي جمانة أحمد الشطي.


تم النشر بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"اشتقتُ لكِ "

فِي عُمْقِ اللَّيْلِ

ما بين الحقيقة والحلم " روان عرفات قداح " في لقاء صحفي مميز لدى مجلة سندس الثقافية.