عائد إلى حيث موطني
عائد إلى حيث موطني
في كل وقت و حين و آني
من هذا الدهر نحن نتألم و نعاني
لا بل نحن الألم بكل ما يحمله من معاني
ببشاعة صوره و مشاهده الملطخة بالدماء
و بالرغم من أن جرحنا النازف هذا
لن يبرأ أبدا مع مرور الأيام
إلا أنه لا يشفع لنا من فيض الأحقاد
متهمون نحن و جباهنا موسومة بالعار
و ألفقت إلينا عنوة تهمة الجاني
ليس لأننا خنا الأمانة
و لا لأننا ألقينا منذ زمن بعيد
السيف و الترس و النبال
بل لأجل أننا اقترفنا الخطايا
و تمادينا بفيض الأحلام و الأماني
فأتقد لهيب التنور
بعدما أستيقظ من سباته الطويل عجبا
و رمي النرد
لتصلب على مذبح الحقد القرابين
و تسلب حياة آلاف الضحايا
و فار التنور مولدا نار كالإعصار
فأفنى مهد براعم زهور الربيع
و دنس بحقده صبا طهر العذارى
و ألقى من تبقى منا
على قارعة اليأس ينزف و يعاني
فأصبحنا أجساد بالية
أشبه بقطع قماش ممزقة
تخفق في ساحة حرب لبقايا سواري
و كل واحدة منها تروي ألف قصة و حكاية
لإنسان لربما كان هنا في الأيام الخالية
و إذا ما أبحرت في بحر كل حكاية
ستجد بقايا أحلام تتقاذفها الأمواج
على شواطئ الأمل راسية
و ذكريات على سطح البحار الطافية
و قوارب مهجورة لجثث
في جوف القرش مدفونة
لا شك بأنه قد أنصفني القدر حينما نجوت
و لم أدفن في تابوت من حجر
و لم أكن طعاما لقرش البحر
و لم أفنى بوميض النار و اللهب
لكن و بالرغم من كل ذلك
أشعر أني قد مت منذ زمن
موت بلا لحد و لا كفن
و أثقلت كاهلي الأحمال و المحن
ففي الأمس أذكر أني كنت إنسان
مثل كل البشر
أعبر محلقا متى أردت كل بوابات الزمن
أما الآن بات إسمي على اللوائح مجرد رقم
و بت كعصفور سجين في قفص
إذا نشد الحرية يوما
يحتاج لإذن سفر
و عابر سبيل في جوف الأيام
بلا هدف و لا أمل
و ها هي جدران منزلي أكبر دليل و مثل
فهي من قماش موسوم بشعار الأمم
لا تقي حر الصيف و لا عواصف المطر
يحيطها سور من بقايا الشجر
و فقر مطقع يبكي الصخر و الحجر
بالأمس كنت أحيا ملكا في قصر
مليء بالنفائس و النعم و الدرر
و مكتبي يعج بقصائد الحب و الغزل
أما اليوم فلا يوجد سوى بضع صفحات
و درج و رف و قلم
و قصائد شعر يشوبها الهم و الغم و الألم
و أخرى تعتصر القلوب
فيها الموت و الفراق و الحنين سنن
لعمري ما حدث هناك أمر جلل
فقد تطايرت الأعشاش و هاجرت الطيور
في كل أتجاه تبحث عن وطن
و سحقت جنان الزيتون و العنب
و شرب كأس نخب الخمر من الدمع و دمي
حدثوني أين الأهل و الأصحاب
و الموسيقى و الطرب
أين الحب و الشوق و الشغف
أين ليالي الأنس و الصخب
أين الجمع المهيب في حفلات السمر
و أين دفاتر أشعاري التي أحرقتها أياد الغدر
و أين حبيبتي التي قتلها الجند
باسم الدفاع عن الوطن
يال سخرية القدر
من أنا أيها المطر
فلم يتبقى لي سواك انت و الريح و
أحيانا يطل علينا من نافذته صديقنا القمر
أهطل أيها المطر بغزارة
لعل ماءك يبرأ الألم
و يمحو الذنوب و يطهر البشر
أهطل لعلك كنت أولى رحمات ربي
ليزهر بقلبي ثانية الأمل
و لا تنسى أن تبلل تربة أرض الموت تلك
ببعض فيضك لعله ولد من رحم الموت
فجر جديد يشقق عتمة
الليل السرمدي من العدم
راحل أنا فما عادت تتسع لي الأرض بمداها
و لا السماء بفضاها
فقد تداعت أركاني و فقدت بوصلتي
و جهلت عنواني
راحل أنا من غير عودة
فقد كتبت خاتمة لأحزاني
و ردمت تلك البئر التي أنهل منها كلماتي
و نثرت مع هبات الريح دفاتر أشعاري
و لطخت حدادا بالسواد لوحاتي
و حطمت القيثار الذي أعزف به ألحاني
و سكبت على الأرض محبرتي و ألواني
لعلها أتحدت مع ذرات الطلع يوما
و سافرت إلى أفق الحنين
على أجنحة الريح
لتثمر من جديد براعم بستاني
و ينبت الاقحوان و يصحو من سكرته
الياسمين الشامي و يتراقص متسلقا الجدران
على قوافي أشعاري
عائد أنا إلى حيث موطني بين ذرات التراب
فلا أحد غير الموت يحضنني و يحواني
الكاتب خالد راشد ...سوريا
تم النشر بواسطة المحررة هنادي هاني ابوعرة

تعليقات